المخرج السوداني أمجد أبو العلا«ستموت في العشرين» يحكي سيطرة المجتمع على الفرد.

سينما – آلاء حسانين – مجلة اليمامة

“ فيا موت انتظرني، ريثما
أنهي حديثًا عابرًا
مع ما تبقى من حياتي.”*

إن كنت سأصف مزمل، بطل فيلم ستموت في العشرين، فأظن بأني سأجيز وصفه بأنه طفل ولد في تابوت. فهو محكوم بالموت قبل أن يعي حتى معنى الحياة. وزيادة على ذلك، يعاقب يوميًا لكونه سيموت. أو لن نموت كلنا؟ بلى، لكن ما يميز الموت، ما يمنحه هذه الهالة الكبيرة، هو أنه مجهول، وغامض. ولا أحد يعرف بالضبط متى سيموت، الآن؟ من الممكن أن يقع أحدنا فجأة، وتنتهي حياته. أو بعد قليل؟ من الممكن أن يموت أي واحد فينا، ببساطة، وهو يعبر الشارع. وللموت عشوائية كبيرة في اختيار ضحاياه، فعلى قدر ما يبدو الحديث عن القدر مريحًا، إذ إن فكرة أن أحد منا لن يموت قبل أن يحل أجله، قد تبدو مريحة للغاية، لأنها لا تشعرنا بالظلم. لكن أظن أن الأمر يحدث بعشوائية أكبر من ذلك. فلطالما تسائلت عن أصدقائي الذين ماتوا في حوادث عشوائية، أو عن الذين ماتوا برصاص أو قذائف في حروب ما، هل كان من الممكن أن يعيشوا، لو أن الرصاصة تأخرت قليلًا؟ لو أنهم أزاحوا رؤوسهم يمنة أو يسرة؟
*بالنسبة لمزمل، أي حياة كان سيعيشها، لو أن أمه لم تذهب للشيخ في ذلك اليوم، ليخبرها بقين تام، بأن ابنها سيموت حالما يتم عامه العشرين؟
من المتسبب في أن تتخذ حياة رضيع صغير هذا الشكل؟ هل هي أمه التي تمسكت بهذه النبوءة، ولبست السواد حدادًا على ابنها و” حسه لسه في الدنيا”؟ أم هو الأب الذي اختار الغياب باستسلام تام، خوفا من مواجهة هذا القدر، عوضًا عن محاولة تغييره؟ أم هي السلطة الدينية، المتمثلة في الصوفية في السودان، حيث سيطرت على حيوات الناس وحددتها بهذا الشكل؟ أم هو المجتمع الذي سمح لهذه السلطة الدينية بأن تحتل هذه المكانة، بل وصدقها وساعدها على ذلك. حتى أصبحت صنمًا كبيرًا من المستحيل نقده، عوضًا عن إدانته؟ أم هي الظروف السياسية والاجتماعية التي سمحت للجهل المرتبط غالبًا بالفقر، أن يتفشى في المجتمع بهذا الشكل؟
من المسؤول؟ في حالة مزمل، حينما يريد أن يلقي باللوم على ضياع عشرين عام من حياته، من سيلوم؟ حينما قضى طفولته يراقب الأطفال يلعبون من وراء الجدار، بينما لا يستطيع أن يقترب منهم، لأنه “ابن الموت”؟ عندما تتركه حبيبته وتتزوج بآخر، لأنه محروم من الحب، كما اللعب، لأنه “ابن الموت”؟
*من يلوم على عمره المهدور وحياته الضائعة؟
– في حواري مع المخرج السوداني أمجد أبو العلا، مخرج فيلم ستموت في العشرين، حاولت، عوضًا عن الإجابة عن الأسئلة فقط، محاولة طرح المزيد منها.
*كيف بدأت فكرة صناعة فيلم ستموت في العشرين؟
بدأ ستموت في العشرين بمخرج شاب يريد أن يصنع فيلمه الطويل الأول، حيث يجيء من بلد لا تصنع الكثير من السينما، فآخر فيلم سينما تمت صناعته كانت منذ ثمانية عشر عامًا.
كنتُ قد بدأت في الكثير من المشاريع غير أن بعضها لم يكتمل، حتى عثرت ذات مرة في 2016 على قصة للكاتب السوداني حمور زيادة في مجموعته” النوم عند قدميْ الجبل”، وهي قصة قصيرة جدًا لا تتجاوز عدة سطر. حينها أحببت العالم الذي يحاول حمور زيادة حكايته، وعرضت القصة على الكاتب المشارك يوسف إبراهيم وهو كاتب إماراتي عملنا سويًا في عدة مشاريع سابقة، عندها شعرنا بأن هذا ما نريد أن نصعنه. ثم بدأت حينها ورش تطوير الفيلم والتي استمرت حتى عامين.
*ما الذي يحاول الفيلم مناقشته؟
– الفكرة الأساسية التي يحاول فيلم ستموت في العشرين مناقشتها هي سيطرة المجتمع على الفرد، بكل ما تشمله هذه السيطرة، من تحديد لشكل حياته وملبسه ومستقبله وغير ذلك. وبصفتي شخص مؤمن بالحريات بجميع أشكالها، فإن الحق الذي كان يجب أن يحصل عليه مزمل هنا هو حق الحياة، أيًا كانت المدة الزمنية التي سيعيشها.
*في الفيلم نقد واضح للسيطرة الصوفية على المجتمع، إلى حد قدرتها على تحديد حياة وموت الآخرين مثلما في حالة مزمل، أليس وجود مثل هذه السلطات في يد بعض الأفراد، خاصة إذا ألبست هذا الرداء الديني، يشكل خطرًا على المجتمع؟
-نحن في السودان ليس لدينا داعش، كما أن السلفية غير منتشرة سوى بشكل قليل، ولطالما كان وجود الصوفية هو الذي يمنح هذا التوازن للمجتمع، وعلى هذا الأساس رأى البعض أن نقد الصوفية غير ضروري لأن وجودها يحمي المجتمع من سيطرة المتطرفين. لكن الحقيقة هي أن الصوفية تحولت بدورها إلى سلطة جديدة تسيطر على المجتمع وتتحكم فيه، وبقدر ما أحتفي بالصوفية وبأدبياتها، غير أني لا استطيع سوى أن أوجه النقد إلى أفعالها السلطوية.
*هل ممكن أن يتحول الدين أو الفهم الخاطئ له إلى أداة لمصادرة حيوات الآخرين مثلما في حالة مزمل؟ فلو لم تسيطر الثقافة الدينية على المجتمع وبالأخص على والدته، لربما لم تكن هناك من فائدة لنبوءة الشيخ، فقد اكتسبت هذه الأهمية بسبب استسلام المجتمع التام لهذه السلطة.
– الدين إذا تم التعامل معه بهذه النظرة الأحادية والقسوة وبدون النظر إلى جوهره، فإنه بالطبع سيسيء إلى المجتمع والأفراد ويقيد حياتهم. ولا يعني هذا الدعوة إلى النقيض، بل أن يمنح كل شخص الحرية في فهم الدين، والتحرر من قيود المجتمع ومن الفهم الديني الذي يفرضه رجال الدين عليه.
*هناك تمويه لفكرة الزمن في الفيلم، فمنذ بدايته لم تكن هناك إشارة للزمن، حتى منتصف الفيلم تقريبًا، بدأنا نرى اشارات زمنية بسيطة توضح بأن هذا المجتمع حداثي، مثل بوستر للمسلسل التركي حريم السلطان في أحد المشاهد.. هل هذا مقصود؟
– نعم، أردت أن أوضح أننا نعيش في مجتمع حداثي، لكن بدون المبالغة في ذلك. خاصة وأن معظم الشخصيات في الفيلم لا تعرف الزمن، فبعد عودة الأب من أجل دفن ابنه الذي سيموت حالما يتم عامه العشرين، سأل زوجته: كم أصبح عمره الآن؟ فقالت:” قد غيبتك إحسبها لو تتحسب.” هذا بالإضافة إلا أن عمر مزمل نفسه يتم حسابه من خلال تدوين الأم للزمن على جدار، وعندما بدأ مزمل في حساب أيامه الأخيرة واكتشاف أنه أتم عامه العشرين، أخذت أمه تردد عليه:” يمكن حسبت غلط.” فتمويه الزمن وضياعه هنا مقصود وهو جزء من فكرة الفيلم، وكأن الشخصيات تعيش خارج الزمن.
*يناقش الفيلم أيضًا فكرة غياب الآباء المتكررة في عائلات كثيرة، حيث يسافر الأب للعمل في الخارج وتتحمل الأم عبء التربية بمفردها، فبمجرد معرفة والد مزمل بالنبوءة غادر للعمل ولم يعد إلا بعد عشرين عامًا، إلا أي حد تعد فكرة” غياب الأب” هاجسًا لديك؟ فهذه الفكرة هي ما جعلت شخصية الأب أحادية للغاية، حتى بدا وكأنه غير موجود.
– شخصية الأب في الفيلم كانت أشبه بالشبح، فحتى عندما عاد، لم يكن له وجود. _
وأردت هنا أن ألقي نظرة على دور الآباء الغائبين، الذين يقتنعون بأن دورهم في هذه الحياة هو من أجل تحصيل المال فقط وإرساله إلى أبنائهم. فلم يهتم الأب هنا بصنع فارق في حياة ابنه، بل وفضل الهرب بعد سماع النبوءة، لكنه ليس شخصية قاسية، فلا يحمل لإبنه سوى كل حب، غير أنه فضّل ألا يكون موجودًا. وقد تكون شخصية الأب أكثر شخصية أفضلها، لأنها لم تكن.
*وسط هذا الصوت الأحادي الذي يتحدث بنفس النبرة المكررة عن الحياة والموت والإيمان، ظهرت شخصية سليمان في الفيلم حتى تأخذ بيد مزمل إلى حياة أخرى قد لا تكون محفوفة بالموت، وكل منّا مر على حياته شخصية مماثلة في مرحلة ما.. هل وجوده كان دلالة على انتصار الحياة؟
-هل انتصرت الحياة؟ لا أعرف. لكن ربما انتصرت الرغبة في الحياة. ووجود سليمان في حياة مزمل كان هامًا، فقد فتح له آفاقًا جديدة، سواء بكلامه عن النيل وعمّا وراء النيل، وعن وجود حياة أخرى وأناس آخرين، وعن فتح شبابيك السينما والحياة له.
سليمان كان وجهة نظر مختلفة مرت على حياة مزمل، وأعتقد أن كلنا نحتاج إلى أناس مثل سليمان في حياتنا، يمتلكون أصوات مختلفة عن الصوت الجمعي.
* الشخصيات النسائية في الفيلم شخصيات قوية للغاية، هل يعكس ذلك شخصية المرأة في السودان والتي تعود لكون المجتمع السوداني أمومي بامتياز؟
– حاولت في الشخصيات النسائية في الفيلم أن أعكس مع سبق الإصرار والترصد نظرتي للمرأة السودانية ليس فقط كما أراها بل كما يراها التاريخ، فالمرأة السودانية يتم الاحتفاء بها، حتى وإن وقع عليها بعض الظلم في زمن حكم البشير. لكن بشكل عام المرأة مؤثرة في المجتمع كما رأيناها في الثورة السودانية الأخيرة.. وهذا واضح في الفيلم، فمعظم الشخصيات النسائية مؤثرة للغاية سواء بالسلب أو بالإيجاب. فهي شخصيات قوية ومسيطرة سواء كانت أمًا أو عشيقة أو غير ذلك.. فمثلًا هي الأجرأ في العلاقة، وهذا نراه في السودان، فالمرأة في السودان ليست المرأة المستكينة التي تنتظر الرجل أن يعمل من أجلها. الأم مثلًا شخصية قوية للغاية ومسيطرة، حتى لو تسببت هذه السيطرة بالضررلإبنها.. وحتى شخصية ست الحسن التي وقعت في حب رجل من طبقة أخرى وقررت البقاء معه وانتظرته لسنوات، انتظارها وبقاؤها كان دليل قوة وليس ضعفًا، كما ظهرت قوتها أيضًا في المشهد الأخير بينها وبين مزمل، حيث استطاعت فهم ضعفه واحتوائه.
مثال أيضًا على قوة المرأة في السودان حاليًا يحكم السودان مجلس رئاسي مدني يضم سيدتان، إحداهما قاضية قبطية، كما أن رئيسة القضاء امرأة، ناهيك عن الوزيرات والمتحدثات باسم رئاسة الوزاء، وهذا هو السودان الجديد كما سعينا لصنعه.
حصل فيلم ستموت في العشرين على جائزة (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول في الدروة 76 لمهرجان البندقية السينمائي، كما حصل على جائزة نجمة الجونة الذهبية لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، وحصل على جائزة التانيت الذهبي في مهرجان أيام قرطاج السينمائية. وهو الفيلم الأول لمخرجه أمجد أبو العلا، المأخوذ عن قصة للكاتب السوداني حمور زيادة.
*الاقتباس من جدارية محمود درويش.*

http://www.alyamamahonline.com/ItemDetails.aspx?articleId=4891

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.