|

مضت سنتان.

إلى

صديقتي، جدًا.

مضى وقت طويل، وابتعدت كلتانا عن الزمن الذي عشناه سويًا. والآن، وأنا أُقلّب في جهازي، أدركتُ بأننا لا نملك الكثير من الصور معًا.. وأن تلك الصور في ذاكرتي، قد تتلاشى حتمًا.. صوركِ وأنتِ تضحكين، وأنتِ غاضبة، وأنتِ تبكين، ونحن نبكي معًا، نسكر ونبكي، نركض في شوارع القاهرة حتى وقت متأخر، نركض ونسكر ونبكي، ننظر للأصدقاء الذين يتألمون مثلنا، ونقول: ياربي، حتى متى سيستمر هذا الألم؟ لم أنس عيادات الأطباء التي طرقناها، واحدة واحدة، في ذلك الزمن المُر، الزمن الذي مَرّ.. ونحن نستجديهم، حتى يخلصونا من آلامنا.
تسكن نوبات كآبتي كثيرًا، ونوبات الألم المفاجئ.. والمزاج الحاد، والغضب على العالم.. في الحقيقة، لقد هدأت نوباتي، أو اختفت تقريبًا.. وأحيانًا أتساءل: هل شُفيت؟ هل تعالجت؟ هل عالجت نفسي؟ ما زلت أذكر ذلك الطبيب في المعادي الذي ذهبت إليه لأول مرة، برفقة صديقنا حسام، تذكرين حسام بالطبع؟ اتصلت به ذات مرة في فبراير ٢٠١٨ وأنا أقول له: لم أنم منذ أسبوع يا حسام، أمي تستيقظ في الليل وتجدني أدور في الصالة.. أكتب دون توقفت، أنهيت كتابًا عملت عليه لسنوات، الآن وضعت آخر نقطة فيه، عن السأم، عن حكايات السأم، وعن طفل صغير يكبر ويصغر ويهرب من المنزل ويموت بأشكال كثيرة، عن طفل صغير وكبير وهذا الطفل هو أنا. لكن، هناك ألم عميق في قلبي، ورأسي سينفجر، ووجوه زرقاء تتمشى على الحائط، وأستلقي لساعات على البلاط، أو أتمدد على الكنبة ورأسي إلى الأسفل بسبب الصداع، وأنا لا أعرف هل ما أعيشه هوسًا أم اكتئابًا، ولا أعرف إن كنت طبيعية أم مريضة أم هذه ضريبة الكتابة. هل أنا عبقرية؟ أم أنا أنا مجرد مهووس آخر يهدئ خوفه بالكتابة؟ لماذا أمرض بهذا الشكل عندما أكتب، لماذا أتلوى كأني أمر بنوبة صرع؟. أرجوك يا حسام، أنا متعبة، افعل شيئًا. 

أخذني حسام إلى طبيب نفسي لا فائدة منه، جلسنا ننتظر لساعات، ثم دخلت إليه وأنا أرتجف، وتركني أتكلم لعشر دقائي، بعدها وصف لي أدوية ولم يخبرني حتى عن طريقة استخدامها.. حينها خرجت من العيادة وأنا أبكي، كنت قد ازددت تعبًا، ولم يكن الأمر كما توقعته.. لكني قلت: على الأقل قد يفعل الدواء شيئًا، حينها مررنا على أقرب صيدلية واشترينا الدواء. كنت متعبة للغاية، لم أنتظر حتى أعود إلى المنزل، بل ابتلعت الدواء في الشارع. ولأن الطبيب لم يخبرني عن أعراضه الجانبية، ولم أملك وقتًا لأقرأ الروشتة، وجدت نفسي أغفو بعدما جلسنا على قهوة قريبة لنستريح. طلب حسام أوبر وحملني بصعوبة إلى السيارة، ثم اوصلني إلى منزلنا واتصل بأختي لتنزل وتساعدني على الصعود. ولم أذهب لذلك الطبيب مرة أخرى، وحتى الآن وأنا أشعر بالحنق عليه، ربما بسبب استهتاره.. وربما لأنه كما اتضح لا يملك وصفة سحرية تجعلني أتحسن. وهذه كانت أول مرة أبلع فيها أقراصًا، رغم معاناتي الطويلة السابقة.. لكن وقتها كنا نعيش في السعودية، ولم أملك رفاهية أن اذهب إلى طبيب نفسي، ناهيك عن صعوبة العثور على طبيب جيد في تلك البلدة.

ورغم أني لم أذهب لذلك الطبيب مرة أخرى، إلا أني اكتشفت الدواء، وسحره.. كان يكفي أن أبتلع بضعة أقراص ليتوقف عقلي عن العمل، ويختفي كل شيء.. لكن بعد مدة سئمت الدواء، لأنه بدأ بتحويلي إلى جثة.. وبعد مدة أدركت بأني لم أعد قادرة على البكاء. لذا أقلعتُ عنه، وصرت أحاول أن أتزن بنفسي، كأني أمشي على حبل موضوع بين جبلين وأنا أحاول ألا أسقط. وكنت أراك تحاولين المشي باتزان على الحبل ذاته.. ولم أعرف ماذا أفعل، لكن تمنيت أن يناسبكِ الدواء.. كنت أدعو ونحن نصعد درج العيادة بأن يقنعكِ الطبيب، وأن تحبينه، وترغبين بالمجيء مرة أخرى.. لكن طبعًا هذا لم يحدث.. لأن معظم ت[اربنا مع الأ’باء النفسيين كانت سيئة، فهم تجار وسفاحون في المقام الأول. لذا، كان الدواء مرة أخرى.. ماذا كان اسمه؟ هذا الدواء الذي كان يجعل كل شيء ساكنًا؟ بعد مدة، فضلتُ الحفلات، والموسيقى، والصخب.. وقلت: هذا سيبقيني مشغولة. لو تعلمين عدد الناس الذين مرّوا عليّ.. ولا أنكر بأني نسيتكِ في أوقات كثيرة، أو تناسيتك، معظم الوقت. انغمست في حيوات جديدة وعرفت أصدقاء جددًا.. لكن أحيانًا في لحظات الصخب الشديد، كنت أمر بحالة هذيان طفيف وأنفصل عن الواقع، وأبدأ بمشاهدة الناس من خلف زجاج، حتى أني إذا لمستهم، لا أشعر بهم.. فأبدأ بالتفكير برغبتي في الشعور بشيء ما، وأنظر إلى وجوههم: لماذا لا أشعر بأنهم أصدقائي؟ وأتذكركِ، على الرغم من علاقتنا الممسوسة بالألم.. لكن مرات كثيرة أخذت أفكر: لو أنكِ هنا. كيف حالكِ الآن؟ أتمنى أنكِ تتحسنين، وأحيانًا أود لو أجعلك تشعرين بالشفاء الذي أشعر به في قلبي. مرت عليّ أيام شعرت فيها بأن قلبي بلسمًا، شعور إيماني.. وفكرت فيكِ، وودت لو أقاسمكِ هذا الالتئام.

على كل حال، إذا لم يكن ذلك قد حدث، وإن كانت رأسك ما تزال تعذبك، فلا بأس، كوني على ثقة بأنني سأعتني بكِ.. لقد قتلتُ شياطيني، وأعتقد أني جاهزة الآن ومستعدة لمواجهة شياطينك.


بالإضافة إليكِ، كان حسام صديقي الوحيد تقريبًا، ورغم أني حاولت كثيرًا التخلص منه، لأني في تلك المرحلة الحرجة، لم أكن أثق بالناس، وكنت أجد صعوبة بالغة في أن أتحملهم. لكنه بقي إلى جانبي، واصطحبني إلى عيادات الأطباء النفسيين، معظمهم حمير، كانت جلساتهم تفلسني، وفي المقابل، لم أكن أتحسن.
أحد الأطباء قال لي ذات مرة بأن لا أقلق، لأن المرض يخفت مع التقدم بالعمر.. الشخصية الحدية تقل حدتها حين ننضج. 
لذلك كل ما أردته وقتها هو أن أكبر، وعملت على ذلك.. لثلاث أعوام، رميت نفسي في الحياة، وتحملت حساسيتي الزائدة ونوبات الكآبة والمزاج الحاد، فقط لأجل أن أتحسن.. ورغم أني لم أتحسن تمامًا، إلا أني تغيرت كثيرًا، أستطيع أن ألمس ذلك في كل شيء تقريبًا، أول الأشياء وأهمها، هو أني صرت على وفاق مع أمي. هل تصدقين أني صرت أحب أمي كثيرًا؟ وأشتاق إليها.. إنها أمي، هل تعرفين ما معنى أن يكون للإنسان أم؟ شيء عظيم لا يمكن أن أصفه، وقد اكتشفته توًا.. والتصالح مع الأم، يطمئن قلبي. يجعلني أشعر بأني أستطيع أن أعود للرحم مرة أخرى في أي وقت.. وسأكون بأمان.
مضت سنتان يا سهيلة.. تذكرين حين كنا نتسكع في شوارع وسط البلد فجرًا، وأصدقاء عابرون يتزحلقون على زلاجاتهم في الشارع؟ ذات مرة جلسنا حتى الشروق، وقف آدم على النيل وخفت عليه من أن يَرمي بنفسه. لكنه قال لي ساخرًا: تظنين أني مثلك؟ مرت سنتان، وانتقل آدم إلى ألمانيا.. في آخر مرة التقيته في القاهرة، وكان قد حضر في إجازة قصيرة، أخذ يتحدث بتأثر عن عشقه لمصر، ويقول: في يوم من الأيام سأعود وأفعل شيئًا لبلدي، للناس الطيبين.. آدم طبيب عبقري، وإنسان طيب ونظيف، وهو أيضَا وحيد كُليًا، وحيد طوال الوقت.. بالكاد يتحدث، بالكاد يُعبر عمّا يشعر به.. غير أني أحبه، وأسحب منه الكلمات والأحرف.. وأقول له: لا بأس، قل كل ما تفكر به، ولا يهم أن تقوم بترتيب الكلمات، سأرتب أنا كل شيء.

ما زلت أذكر حين التقيت بآدم لأول مرة، تذكرين ذلك اليوم، كنا قد اتفقنا أن نلتقي في مطعم أولديش في شارع محمد محمود لأجل السحور، في أي عام كان ذلك؟ لا أذكر، ربما في 2018. جميعنا كنا لادينيين في تلك الفترة، أو ملحدين، وأظن أن معظمنا ما زال كذلك، لكن اعتدنا أن نلتقي من أجل السحور.. الجميل أن معظمنا كان متصالحًا مع الثقافة العربية والإسلامية، بل ومحبًا لها.. أيًا كان من كتب هذا الكتاب، فلا يهمنا، نحب أن نقرؤه. كنت قد وصلت أولًا برفقة حسام وصديقه علي، وكالعادة جلسنا لساعات وساعات ننتظرك، وكالعادة أيضًا حضرتِ قبل أن نغادر بدقائق:) لكن لا يهم، المهم أنني انتظرك، وفي أثناء ذلك، وصل آدم، أذكر أنكِ هاتفتني قائلة: لقد وصل، أرجوكِ، اعتني به. و نعم، واو! هذا أفضل ما أجيد القيام به، أن ألتف حول المتوترين والذين يشعرون بالوحدة ثم أقوم بدمجهم مع المجموعة، أو أضحكهم حتى يطير التوتر كله.

خرجت من المطعم ونظرت إلى الناس: أيهم آدم؟ كان الشارع فارغًا جدًا والليل ينعكس على الأسفلت ويلمع، ورأيت ذاك الوسيم آدم وهو يقف متكئًا على سيارته الحمراء. مددت يدي وأنا أقول: هاي آدم، أنا آلاء.. هيّا تعال تعال. ابتسم وتبعني، ثم دخلت وأخرست الجميع وقدمته إليهم.. حسام وعلي كانا ذكيين للغاية، فاهتمّا به. كنت أحب مجموعتنا هذه كثيرًا، جميعهم فريدون، أذكياء، وناجحون.. ومنذ تفرقنا وأنا أشعر بوحدة لا مثيل لها.. وحتى الآن لم أجد المجموعة التي أرتاح إليها.. معظم الناس مدعون وأغبياء، وحتى لو كانوا عكس ذلك، فهم أناس عرفتهم للتو.. هم ليسوا أنتِ ولا حسام أو آدم. بعدما جلس آدم، أخرج مادة بيضاء وبدأ بإذابتها في الماء، ولم أسأله.. ضحكت بصوت مرتفع، لأنه يتصرف مع الأشياء غير الطبيعية بطريقة تجعلها تبدو طبيعية تمامًا. وهذا هو آدم، رأسه ممتلئ بالكثير من الأشياء التي لا يجيد وصفها، أكثر كلمة كان يقولها هي: مش عارف. وخلال معرفتي به التي امدت طويلًا بعد ذلك، كان يستغرق وقتًا طويلًا في وصف الأشياء والمشاعر، غير أن ذلك لم يضجرني على الإطلاق.. كنت أحب فيه طيبته وثراءه وفرادته، وهذا التيه الذي يتمتع به، كان يبدو معظم الوقت أنه يعيش في عوالم أخرى، لا أحد يعرف عنها شيئًا.. ومع الوقت، أدخلني إلى عوالمه هذه، وكنت كلما مشيت خطوة واحدة إلى الداخل، شعرت بأني محظوظة للغاية.. وقبل أن يسافر آدم، حاولت ألا أبكي، رغم اني في تلك الفترة اعتدت أن أودع الناس، وكنت محاطة بالصخب والأصدقاء.. لكن حزنت لأنه سيبتعد، سأمشي في شوارع لا يكون موجودًا فيها.. سأجلس على مكاننا ذاته في قهوة البستان القذرة، التي ذهبنا إليها مرات نادرة.. وكل مرة كان يرتبك يتوتر ويقول: لنخرج سريعًا من هنا. فنذهب وندور بالسيارة أو نستقر في كافيه هادئ لا يحضر إليه أحد. أفكر الآن بأنه لو عاد أصدقائي إلى مصر، فسأخرج معهم أكثر، سأصطحبهم إلى الأماكن التي أحبها، ورغم أني اصطحبتهم إلى معظم الأماكن التي أحبها بالفعل، رغم أننا عشنا، واحتفلنا، وركضنا، وبكينا.. إلا أني أشعر بأن زمنًا كثيرًا قد ضاع، أو ربما لأني لم أكن موجودة في الواقع معظم الوقت.. كان عقلي يسبح بعيدًا، لذلك لم أشعر بالواقع كما يجب، لم ألمسه بشكل عميق، أقصد، أعمق وأعمق،بحيث أحضر بذاتي كلها في الواقع، أحفظ كل كلماتهم وحركات أجسادهم، لأجل هذه الأيام التي تخونني فيها ذاكرتي. لم أطبخ لهم، هذه إحدى الأشياء التي سأفعلها عندما يعودون.


في تلك الفترة فكرنا كثيرًا بأن نقتل أنفسنا.. معظمنا أراد أن ينتحر.. أنا وأنتِ وآدم.. كنا كئيبين للغاية، هل ما زالوا كذلك؟ آدم وحسام وعلي هاجروا منذ مدة، منذ عام تقريبًا وعدة أشهر، هل تعرفين عن الأمر؟ قابلت حسام لآخر مرة في حفلة رأس السنة بداية 2019، ثم سافر بعد ساعات وتبعه آدم، وتبعهما علي بعد ذلك بأشهر. ولعام كامل بعد ذلك، تخبطت في الوحدة، والناس السيئين.. وفي كل خطوة كنتُ أرى وجهكِ، أتذكرك وأتخيلكِ.. لكن سرعان ما كنت أحاول أن أبعد طيفك عن رأسي. حتى رأيتك ذات مرة في بار كارول برفقة ذلك الأمريكي – أما تزالين تواعدينه؟:)- أذكر أني تسمرت في مكاني وشعرت بالضيق، خاصة حينما بدأت تتحدثين إلى أصدقائي وتتجاهلين وجودي. كنت أهرب من وجودك، ومن أي شيء يذكرني بك، ذهبت إلى آخر العالم، وهناك وجدتكِ أيضًا.. لذلك غضبت كثيرًا وأردت فقط أن أغادر.

بعد تلك الليلة لم أتحدث مع جميع أصدقائي.. شعرت بأن كل شيء في حياتي أصبح ملوثًا بوجودك.. حتى أصدقائي الجدد وحياتي الجديدة وأماكني الجديدة، صار كل شيء محتلًا بكِ. بعد تلك الليلة خرجت من المكان ولم أعد إليه مرة أخرى، ولم أعاود الاتصال بأحد من الموجودين، قلت: لا بأس، سأخلق حياة جديدة، لا تكونين فيها. لكن قبل أن أخرج، أوقفت مارشيل الأزرق في جانب من البار، سأخبرك فيما بعد لماذا أدعوه بالصديق الأزرق، لهذا اللقب قصة جميلة. سألته: إن رأيت صديقًا قديمًا، انقطعت علاقتكما منذ مدة، ما الذي ستفعله؟ حينها قال لي: سأتحدث معه. غير أني لم أرغب أن أتحدث معكِ، بل أن أخرج من أي مكان تتواجدين فيه.. ولا أعرف لم امتلأت بهذا الحنق وقتها، رغم أني أتذكر جميع ما حصل الآن وأعتقد بأننا انفصلنا لأسباب تافهة، وأقول: ضاعت أيام كثيرة لأنكِ لم تكوني فيها. انتقالات هامة ومراحل فارقة في حياتك وحياتي، كان يجب أن نعبرها معًا.. لكن لا بأس، لربما كان هذا هو أفضل سيناريو ممكن. .. ولا بأس أيضًا إن كان الأسوأ.

أحب الحياة الآن يا سهيلة، وأشعر بأني خرجت من تلك الحالة، تعرفين هذا النفس الأول الذي نأخذه بعدما نخرج فجأة من تحت الماء؟ أشعر بأن أنفاس الحياة قد ملأت رئتيّ. أريد أن أبقى وأصنع أفلامًا وأكتب الشعر.
لم أعد أريد أن أنتحر، ولَم أعد أشعر برغبة في أن أجرح نفسي، ولا أخجل من القول بأن هذه الرغبة كانت تجتاحني حين كنت في التاسعة عشرة، صحيح أني لم أكن أستسلم لها، وطالما قاومت مثل هذه الرغبات بالشعر.. لكن سعيدة لأنها لم تعد تطرأ على قلبي. هل شفيت؟ ربما. لكن سعيدة لأني لم أعد أرغب برؤية رأسي ينفجر. الشعر ساعدني، الموسيقى ساعدتني، الانخراط في الحياة وتحمل المسؤولية ساعدني.. بنيت شخصا آخر فوق حطام شخصي القديم. هناك ضفة أخرى، هناك وطن آخر من الممكن أن نصل إليه، من المحتمل.. هناك حياة أخرى، من الممكن أن نعيشها، بقدر أقل من الخوف والألم والحساسية. الألم ليس أبديًا يا عزيزتي.. صدقيني.

أتمنى أنك بخير، وأن الندوب القديمة جفت، وأصبحت مجرد علامات تذكرنا أحيانًا، بأن الماضي كان حقيقيًا.. لأنني أحيانًا أنسى الألم وأتنكر له حين أبتعد كثيرًا عنه.. لكن أعتقد من المهم أن نعرف بأنه لم يكن وهمًا.. مهما حاولوا إشعارنا بذلك.. لم نكن نتوهم.

أهم ما في الأمر، هو أني لم أعد أشعر بالخجل أو العار من فكرة أني مرضت في مراهقتي، بمرض حاد.. مرضت روحي، وقلبي، وعقلي، ونظرتي للعالم. لكن الآن أنا بخير، الحمدلله. صرت أحب أن أحمد الله كثيرًا، ولا أعرف لم، لكن أتعامل مع الحياة باعتباري ناجية. أحيانًا في منزلي أدخن بعض الحشيش، وأشعر بقلبي جائع لسماع القرآن.. فأتسطلن عليه.
هل أفتقدك؟ نعم.. كثيرًا. تذكرين غرفتي بشباكها الكبير في منزل عائلتي في التجمع؟ أفتقدها أيضًا.. عندما انتقلت من المنزل أخذت سريري معي، وكل يوم في الصباح أستيقظ وأرغب بأن أفتح الشباك وأرى المنظر القديم ذاته.. لكن يخيب أملي عندما أجد الشارع مختلفًا، والنَّاس والحياة.. الكلاب هنا تنبح في الليل كثيرًا.. غيرتني الحياة.. و رغمًا عني، علمتني القسوة أن أصبح أقل حدة، أقل حساسية، وأكثر مرونة ونضجًا.
أردت أن تقسو عليّ الحياة، وأن أخرج من رداء الأم والأب والعائلة.. أردت أن أتشرد، مثلما تمنيتُ قبل ست سنوات حينما كنت ما أزال أعيش في السعودية، كتبت قصيدة أقول فيها: دعني أتشرد. وعندما قدمت إلى مصر، كان كل شيء مخيفًا، لكنّي رميت نفسي وسطه، وخُمشت كثيرًا، تأذيت بعمق.. لكن كنت أقول لنفسي: دعي كل شيء يؤلمك، وذات يوم ستتوقفين عن الشعور بالألم. ومضيت في حياتي، متخلصة من كل ما يعيقني، من الماضي بأكمله وكل ما يذكرني به.. عبرتُ إلى جزء آخر من شخصيتي لم أكن أعلم بوجوده، جزء قوي، وجريء، يحب الحياة ويتحملها. بكيت منذ أيام في لحظة انهيار، فاحتضنتني والدتي وهي تقول: أقول لكل الناس بأن آلاء قوية للغاية وتستطيع التصدي لكل شيء، انظروا إليها وهي تتشاجر مع الرجال في الشارع. فضحكت، وأعجبني كيف تنظر إليّ وأعاد ذلك لي شيئًا من روحي.. وسعدت من قدرتي على إخفاء الهشاشة، ومقاومتها.. والتغلب عليها تدريجيًا.
أريد أن أعمل أكثر، وأحقق ذاتي، وأصنع أفلامًا، وأكتب، وأحتفل.. وفي كل حفلة، أريدك أن تكوني موجودة. ليس مثل الأيام الخوالي، حين كنا نسكر ونهيم، ونعود لمنازل أمهاتنا في أوقات متأخرة، ويتم توبيخنا. تعرفين، الآن فقط أدركتُ كم أتعبنا أمهاتنا كثيرًا. 
أذكر أن أمك كانت تكلمني وتقول: ما الذي تريده وسأفعله؟ وكم حاولت معي أمي كثيرًا أيضًا. لكنّا عشنا محاطين بسوء فهم لا مثيل له، وليس ذنب أهلنا أننا كنا شخصيات حادة، ثورية، كئيبة وحساسة وغاضبة ولا تتقبل النقد وتثور حين يتم جرحها.. أعتقد أني توقفت عن إلقاء اللوم على أمي، وأبي، والمجتمع، والدين.. على الرغم من أن مسؤولية كل هؤلاء ليست خالية تمامًا، فهم لم يكونوا على صواب في كل شيء، وكذلك نحن.

ما ساعدني هو أني غيرت نظرتي إلى نفسي، صحيح أننا كنّا أطفالًا مهمشين ومنسيين، حتى حينما كبرنا، استمررنا في التعامل مع العالم كأطفال مجروحين. كنا ما نزال نشعر بنفس الخوف الذي شعرنا به في طفولتنا.. وأعتقد أن هذا هو جوهر المشكلة، فرغم كل هذا العمر، كنا في أعماقنا ما نزال أطفالًا، مجروحين وخائفين. وما حدث هو أني أخذت أتطلع إلى وجهي في المرآة، كل يوم، وأقول لنفسي: اكبري، لم تعودي طفلة، تستطيعين الآن الاعتناء بنفسك، تستطيعين التصدي للعالم. حينها توقفت عن النظر إلى نفسي باشفاق، ولم أعد أنظر إلى والديّ باعتبارهما بطلان خارقان، حيث أنتظرهما دومًا أن يكونا مثاليين جدًا، كأنهما قادمان من المصنع.

تفهمت بأننا جميعًا بشر في النهاية، والإنسان كائن ضعيف ومحدود، يقاوم الدهس في كل حين. فحتى لو أخفق أهلنا مرات كثيرة، ما المشكلة؟ تخيليهم شخصيات مسرحية معقدة، يتصرفون بخير ويتصرفون بشر، ومع الوقت، عندما ينمو التعاطف، تصبح المغفرة ممكنة.

أحاول أن أفهم، وأتعاطف، وأتخلص من مشاعر الطفل المجروح.. لم نعد أطفالًا، يمكننا الآن أن نعتني بأنفسنا.. ونعتني بأهلنا.
لدي الآن رغبة بأن أعتني بأمي، أن أصبح صديقة لها، وأعوضها عن أيام قسوتي المبررة، وأريد أن أعوضني أيضًا عن أيام حرماني الطويلة من الأم. 
أرغب بأن أختار حياتي القادمة، بهدوء وروية، محاطة بالعائلة والأصدقاء.. وأريد أن نودع سويًا الألم القديم، ونركض لنبلل أقدامنا بالماء. فهل تأتين معي؟
هذه الصور الوحيدة التي أملكها لنا، وهي منذ عامين أو ثلاثة، رغم أن ذكرياتنا سويًا تملأ عقلي. أريد أن أحكي لكِ عما حصل في غيابك، وغيابي.. أريد أن تحكي لي.. والأهم من ذلك، هو أني أريد أن أكون جزءًا من حاضرك، وتكونين جزءًا من حاضري، ونلتقط المزيد من الصور، تعويضًا عما فات.
لطالما أحببتكِ، يا سهيلة.. وأعرف أنك منذ الأزل، تحبيني.

لطالما أحبتكِ أمي أيضًا.. وداعًا.
10 مارس 2020.

Similar Posts

5 Comments

  1. الله يجمعكم و تفرحون ببعض وتزيد الصور بـ حياتكم بـ قلبكم بـ عقولكم قبل هاتفكم عودوا عودةً جميلة🖤

  2. ما اجملو من مقال من دقيقتين عرفت صفحتك ، وعندي رغبة اقرأ كلشي كاتبتيه ورح تكتبيه .
    شكرا الاحساس اللي وصلتيه
    جميلة

  3. في كل سطر قرأته تذكرت مشاكلي وهمومي .. تذكرت صديقتي التي خسرتها منذُ عام تقريباً . لقد واجهت تلك المشكله وشعرت بكل تلك المشاعر!
    عودوا ولنعود ولنعيش حاضراً جديداً

  4. حسناً … لن تتخيلي كم اثرت في كل جمله كتبت هنا و تخيلت الاحداث بدقه عاليه و كانها تعرض علي احدث تلفاز في العالم. انني لا اعرفك و لكن سهيله نوعا ما و بشكل غير مباشر و اعلم ما تقصدين به بالوحده الشديده عندما تفرق اصدقائك و السبب في الحدود السخيفه. المسافات قاتله بوحشيه لكن قوه الممجموعه هيا الباقيه عزيزتي. اتمني ان اصل الي هذا النضج الذي تتحدثين عنه و اتمني ان تلتقي بهم جميعاً مره اخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.