يقترح هذا المقال وقفة متأنية أمام فيلم قصير أخرجه جان لوك غودار سنة 1967، يحمل عنوان الحب (L’Amore)، وقد أتى ضمن الشريط الفرنسي–الإيطالي الجماعي Amore e rabbia. من غير أن نتجاهل خيوطه المشتركة مع مشروع غودار الأوسع، نحاول هنا أن نضيء فرادته: فهو في آنٍ واحد مرآة لمعضلات كانت تهزّ السينما الأوروبية المؤلِّفة في أواخر الستينيات، ومحاولة شخصية لصياغة أجوبة مغايرة لتلك المعضلات.
يتمحور اهتمامنا حول خطَّين أساسيين ينسجان نسيج الفيلم: هاجس التوجّه نحو مكان آخر، كأن الواقع القائم يضيق عن احتمال الرغبة، وتمثيل التجربة العاطفية كفعل سياسي، حيث يتجاوز الحب حدوده الفردية ليغدو سؤالًا عامًّا، يلامس أشكال العيش المشترك وممكناته.
فيلم «أوروبي»؟
في عام 1967، صنع جان لوك غودار فيلمًا قصيرًا ظلّ طويلًا في الظل: الحب (L’Amore). كان جزءًا من المشروع الجماعي Amore e rabbia، إلى جانب مقاطع لكلٍّ من ماركو بيلوكّيو، برناردو برتولوتشي، كارلو ليزّاني، وباولو بازوليني. خُطّط له أول الأمر أن يحمل عنوان الإنجيل 70، لكنه وصل إلى الجمهور الفرنسي بعنوان آخر: الاحتجاج (La Contestation).
ليس من الصعب الدفاع عن أوروبيّة هذا العمل. فهو إنتاج فرنسي-إيطالي مشترك، صُوِّر باللغتين، وجاء كحلقة ضمن فيلم جماعي كان غودار فيه الفرنسي الوحيد. حتى نسيج الفيلم الداخلي ينقل هذه الروح العابرة للحدود: شخصيات تتبادل الحوار بلغتين مختلفتين، كل طرف يعيد عناصر جملة الآخر بلغته الخاصة، في لعبة لغوية تجعل من الترجمة المكتوبة أمرًا زائدًا. هكذا ابتكر غودار نوعًا من الترجمة الفورية «الداخلية»، حيث يلتقي صوتان دون أن يلغيا بعضهما، كما لو أن الاختلاف اللغوي لم يعد موجودًا. «نسخة سعيدة من برج بابل» كما وصفها ماتياس لافان.
هذا الانفتاح على التعدد يلتقي مع مزاج الموجة الجديدة، ومع شغف غودار على وجه الخصوص بالوجوه واللكنات القادمة من ثقافات متباينة، إيمانًا منه بأن السينما لم تعد محصورة داخل حدود وطنية، بل تصنع على مقياس العالم.
كما أن الفيلم ينتمي إلى تقليد خاص في ستينيات أوروبا: الأفلام الجماعية (الاسكتشات)، التي جمعت عادة مخرجين من بلدان مختلفة. وكما يذكّرنا جان بيير برتومي، كان هذا الشكل وسيلة رئيسية لتعزيز البعد الدولي للسينما، خصوصًا الأوروبية منها، إذ استضافت أفلام مشابهة أسماءً مثل برلانغا الإسباني، فايدا البولندي، بولانسكي، وإيفنز. في هذا السياق، يندرج فيلم غودار ضمن تقليد قصير العمر لكنه كان علامة على حيوية السينما الأوروبية المؤلِّفة. غير أن Amore e rabbia تفرّد عن غيره بانحيازه السياسي الواضح لليسار، ما أضفى على هذا النموذج بعدًا احتجاجيًا غير مألوف.
لكن الحديث عن «الأوروبية» لا يقتصر على البعد الإنتاجي. كما كتب توماس إلسيسر، فإن «السينما الأوروبية» ليست وحدة موضوعية بقدر ما هي «خيال تاريخي» تشكّل في مواجهة السينما الأميركية: سينما تميل إلى التعبير الفني، ترفض النمطية، وتمنح المخرج سلطة المؤلف. هي هوية متخيلة أكثر منها واقعية، على طريقة بندكت أندرسون. ومن هنا ظهر توصيف «السينما الثانية» الذي اقترحه سولاناس وغيتينو: تيار عالمي – من فرنسا إلى البرازيل واليابان – وقف في وجه الهيمنة الأميركية عبر سينما المؤلف والتعبير الشخصي.
جماليًا، يظل الحب متجذرًا في هذه «السينما الثانية»، بما تحمله من سمات: السخرية، اللعب بالمونتاج، الغموض المتعمد، والانعكاس الذاتي. لكنه يتجاوز أوروبا أيضًا، موجّهًا نظره نحو العالم الثالث، نحو نضالات التحرر التي ألهمت كثيرًا من المخرجين الأوروبيين في أواخر الستينيات. كما لاحظ سيلفان دريير، كان ذلك زمنًا يُترجَم فيه الالتزام السياسي عبر إلغاء المسافات: مخرج يعيش في باريس لكنه يتحدث عن فيتنام أو الجزائر كما لو كان حاضرًا هناك. في قلب هذه المفارقة يقف غودار: صانع لغة جديدة، لكنه أيضًا رجل مثقل بسؤال السياسة، وبالإحساس العميق بأن الحب نفسه لا ينفصل عن المعركة.
الالتزام عن بُعد
ورغم ذلك، ظل الفيلم على هامش الاهتمام النقدي. كثيرون لم يروا فيه إلا عملًا ثانويًا بجوار أفلام غودار الطويلة. في برلين عام 1969، حين عُرض تحت عنوان La Contestation، وصفه الناقد جاك أومون بأنه مقطع «منفلت»، أطول مما ينبغي قياسًا بأفكاره، واعتبره «أكثر أفلام غودار بؤسًا». رأى أن قيمته لا تكمن في ذاته، بل في ارتباطه بما سيأتي لاحقًا، كتمهيد لأفلام أكثر اكتمالًا مثل المعرفة المرحة. حتى غودار نفسه كان قد كتب عام 1959 أن الفيلم الطويل «يصوغ نظرية»، أما القصير «فلا يقدّم سوى نتائجها». هكذا ظل الحب أسير النظرة التي ترى فيه عملًا غير ضروري لفهم المسيرة الكاملة للمخرج.
زاد الأمر تعقيدًا أن الفيلم تأخر في خروجه إلى الجمهور. صُوّر في صيف 1967 لكنه لم يُعرض في فرنسا إلا عام 1970. في هذه الأثناء كان غودار قد غيّر مساره، وانخرط مع مجموعة دزيغا فيرتوف في مشاريع أكثر راديكالية. بدا الحب حينها أشبه بضوء نجم بعيد يصلنا بعد أن يكون قد انطفأ. لذلك دعا برنار إيزنشيتز في كراسات السينما إلى مشاهدته من «زاوية أركيولوجية»: كأثر من زمن انتهى، زمن البراءة الأولى، «تراسات سان سولبيس المزهرة» و«جمال الفتيات البرجوازيات». قراءة رومانسية جميلة، لكنها تميل إلى إغفال ما يحمله الفيلم من توتر سياسي كان لا يزال حيًا وملتهبًا.
بهذا المعنى، يظل الحب «فيلم أزمة»، يقف عند نقطة التماس بين زمنين: زمن الموجة الجديدة التي رفعت المؤلف إلى مرتبة الكائن المستقل، وزمن الثورات التي انفجرت في أطراف العالم. غودار بدا هنا عالقًا بين عالمين: متضامن مع حركات التحرر، لكنه عاجز عن تجاوز حدود أوروبا.
تجلّت هذه المفارقة بوضوح في مقطعه عين الكاميرا من فيلم بعيدًا عن فيتنام (1967): نراه على سطح بناية في باريس، خلف كاميرا ضخمة، يروي حلمه بالسفر، بينما يقحم المونتاج صورًا لفتيات فيتناميات. صور بعيدة، مستعارة، تكشف العجز أكثر مما تجسّد الحضور. كان ذلك التزامًا من بعيد، محكومًا بالحدود.
وفي الحب، تبدو المفارقة أكثر فجاجة. الفيلم صُوِّر بالكامل في باريس، بلا صور مستوردة، لكنه يتخلله فجأة كارتون أحمر يصرخ: «صُنع في كوبا». عبارة يعرف المشاهد أنها زائفة، لكنها تتكرر ثلاث مرات. يمكن أن تُقرأ كأثر داخلي لثورة لم يعشها غودار مباشرة، أو كإعلان رمزي عن تضامن اليسار الأوروبي مع كوبا. لكنها أيضًا تحيل إلى العلامة التجارية المطبوعة على ظهر أي منتج. غودار هنا يذكّرنا بأن السينما نفسها سلعة، لكنه يضع الختم في قلب الشاشة لا في هامشها. والأكثر لفتًا أنه لم يترجم العبارة إلى الفرنسية: كأنما يريد أن يقول للمشاهد الأوروبي إن الثورة ليست مضطرة إلى التكيف مع لغتك أو معاييرك. إنها موجودة بشروطها، بلونها الأحمر، خارج قوانين السوق الليبرالية.

Figure 1 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 2 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta
في هذا الموضع من الفيلم، لم يكن النقاش قد بلغ بعدُ قضايا النضال ضد الإمبريالية، تلك التي لن يتطرّق إليها الشخصيات إلا لاحقًا. لكن ظهور الكارتون الأحمر «صُنع في كوبا» يعمل بمثابة برنامج قراءة: تذكير مسبق للمشاهد بضرورة أن يحتفظ في ذهنه بمعركة العالم الثالث من أجل حريته، حتى وهو يشاهد فيلمًا يبدو للوهلة الأولى منشغلًا بأمور أخرى.
واللافت أن هذه الإشارة إلى كوبا تأتي مباشرة بعد افتتاحية غامضة: سلسلة من اللقطات القريبة جدًا، تركز على تفاصيل طبيعية أو صناعية أو بشرية. يرفض غودار أن يمنح المشاهد في البداية أي لقطة عامة تُعرّفه بالمكان. كأنه يقول: لن أضع لك خريطة تسير عليها. ومن هنا يمكن أن نفترض أن عبارة «Hecho en Cuba»، رغم أنها لقطة قريبة، تعمل بوظيفة اللقطة العامة. فهي لا تحدّد المكان جغرافيًا بل سياسيًا: المشاهد لا يعرف بعدُ ما سيُقال عن الإمبريالية، لكنه مدعوّ منذ البداية أن يربط ما يراه بمشهد جيوسياسي أوسع.
الفيلم القصير يتغذّى من هذا التوتر بين حركتين متناقضتين: اقتراب شديد من التفاصيل الصغيرة حتى حدّ الانغلاق، واتساع هائل نحو أفق عالمي. إنه عالم مكوَّن من لقطات مقرّبة جدًا لوجوه وأشياء تبدو عابرة، لكنّه في الوقت نفسه يتطلّع إلى الإمساك بالصورة الكبرى لحركات التحرر حول العالم. السياسة هنا لا تأتي بعد الجماليات، بل تصوغها: كلما حاولت العين أن ترى بعيدًا، وجدت نفسها محاصرة أكثر بالهنا والآن.في قلب هذه المفارقة تقف الحسّية، الإدراك نفسه الذي طالما سعى غودار إلى اختباره. الحب يرسم مشهدًا مزدوجًا: زوجان يعيشان الأحداث، وزوجان آخران يُختزل دورهما في المراقبة. أمام هذا التوزيع الغريب، يُساق المشاهد إلى التساؤل عن حدود حواسه. يقدّم غودار تجربة فصل بين العين والأذن: الصوت يتسع إلى الخارج، يلتقط رنين أجراس المدينة المرتفع بإلحاح، وحوارات عن النضال العمّالي والرحيل إلى كوبا. بينما الصورة تضيق على ذاتها، تنغلق، تُحاصر. خلال خطاب كاستلنوفو الثوري مثلًا، يُطوّقه الإطار داخل إطار آخر، تذكير بصِغَر الحيّز الجغرافي أمام حماسته الكبرى. وفي بقية الأوقات، تتسلل النباتات في المقدمة، تفرض وجودها البصري، تحجب الشخصيات عن عيننا. كأن الطبيعة نفسها تُذكّرهم – وتُذكّرنا – بأن التطلّع إلى البعيد لا يلغي ثقل القريب، وأن الرغبة في الثورة لا تنفصل عن الجدران والأغصان والهواء الذي يحيط بك في اللحظة ذاتها.

Figure 3 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 4 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 5 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 6 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 7 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta
في الحب، ما يقترب من العين يفرض نفسه بقوة، يكاد يخنق الصورة. نحو النهاية، يمنحنا غودار مثالًا صارخًا على ذلك في لقطة واحدة ثابتة، لا تتحرك الكاميرا فيها، لكنها تتحوّل من الداخل عبر تغيّر البؤرة. البداية مع تفصيلة حميمة جدًا: فم كريستين غيهو في لقطة قريبة. ثم ينتقل التركيز إلى شجيرة صغيرة على سطح البناية، قبل أن يتراجع أبعد قليلًا نحو الخلفية الحضرية، ليعود مجددًا إلى المقدمة الضبابية.
وفي الوقت نفسه، نسمع صوت باولو بوتزيسي خارج الكادر، يروي مأساة الشعب الفيتنامي. هنا يتجلى التناقض بوضوح: إنّه المشهد الوحيد الذي يفتح نافذة على البعيد، على عالم آخر، لكنه عاجز عن التخلص من ثقل القريب، من المنطقة الضبابية في المقدمة التي تظل حاضرة، تشد العين إليها.
هكذا يصبح إدراكنا موزعًا بين اتجاهين متصارعين: الروح مشدودة إلى هناك، إلى النزاعات التي تهز العالم؛ والجسد، بحواسّه وموقعه المادي، يجرّنا إلى هنا، إلى مساحة ضيقة محاصرة بالحدود.
من هذا الاختيار الجمالي، يمكن أن نقرأ موقف غودار من الالتزام السياسي: إنّه جدلية بين التطلع الشامل – الرغبة في أن يرى كل شيء، ويفهم كل شيء – وبين الاعتراف بالقيود المادية التي تكبّل النظر، وتجعل كل رؤية محدودة بزمانها ومكانها.
أجساد سياسية
في الحب، يواجه غودار فكرة راسخة: أن السياسة فضاء مستقل، منفصل عن تفاصيل الحياة اليومية. على العكس من ذلك، يحاول الفيلم أن يقرأ الالتزام من خلال مرآة العلاقات العاطفية. فالحب، كما يوحي العنوان، ليس عالمًا بريئًا أو منعزلًا عن الصراعات الكبرى، بل حقلًا يمر عبره ما يحدث في فلسطين أو فيتنام، وإن بدا للوهلة الأولى بعيدًا عنه.
في النظرة الأولى، يبدو الحب امتدادًا لمزاج «السينمات الجديدة» في ستينيات أوروبا: قصص حب بين شباب برجوازي، حضري، متعلّم (وغالبًا من باريس). لذلك لم يتردد بعض النقاد في ربط الفيلم بالبدايات الأولى لغودار. لكن في هذا العمل بالذات، ليست العاطفة هي التي تحدّد مصير العلاقة. الانفصال بين الحبيبين لا يأتي من فتور أو خيانة، بل من ظروف سياسية: شيئًا فشيئًا نكتشف أنهما ينتميان إلى طبقتين اجتماعيتين مختلفتين، وأن إحساسهما بالالتزام ليس واحدًا في شدّته ولا في إلحاحه. تفصيلة تكفي لنزع الطابع الرومانسي الخالص عن الحكاية.
بل إن الفيلم يمضي أبعد: نسمع في منتصفه أن الشاب «من أصل عربي» بينما هي يهودية. ليس هذا التفصيل مدخلًا إلى خطاب طائفي، بل إشارة سياسية مباشرة: الحب صُوِّر في يونيو 1967، زمن الحرب العربية–الإسرائيلية، حين كانت التوترات في الشرق الأوسط تتصاعد بعنف. في البداية كانا مجرّد فرنسي وإيطالي، أوروبيَّين، لكن هذه المعلومة تكسر وحدة الهوية الأوروبية الظاهرة، وتُدخل داخلها تناقضات حادة. هكذا نفهم لماذا يتوق نينو كاستلنوفو إلى الرحيل: رغبته في المغادرة تكشف أن وحدة أوروبا الثقافية والسياسية لم تكن إلا سطحًا هشًا، تمامًا كهشاشة العلاقة العاطفية التي تتداعى تحت ثقل التاريخ.
إنّ علاقة كريستين غيهو وكاستلنوفو تتحول، مع تقدّم الفيلم، إلى استعارة كاملة. لا يعودان فردين بقدر ما يصبحان جسدين سياسيين: طبقتان متعارضتان، ثورة في مواجهة ديمقراطية عاجزة، التقاء محكوم بالانفصال. لكن رغم هذا البعد الرمزي، يحذّرنا غودار – كما لاحظ دافيد فارو – من الاكتفاء بالقراءة التأويلية. فالكاميرا تدفعنا دومًا إلى النظر، لا إلى الفهم وحده: نرى التعلّق العاطفي يلمع أمامنا، بينما الكلمات تكرر التناقض، العداوة، والفشل في البقاء معًا. التوتر بين الصورة والكلمة هو بالضبط ما يكشف عن معنى الاستعارة.
مع ذلك، هذه الاستعارة السياسية للحب ليست بريئة. فهي تعيد إنتاج صورة قديمة، مألوفة في بدايات غودار: الرجل يحلم بالمغامرة والبطولة، والمرأة هي ما يشدّه إلى الأرض، ويعيقه عن الانطلاق. توزّع الكلمات بين الجنسين يؤكد ذلك: في كلا الزوجين، المرأة هي التي تسأل، بتردّد أو سذاجة ظاهرة، والرجل هو الذي يجيب بثقة، يعلن، يؤكد. كاستلنوفو وبوتزيسي يمثلان القطب الإيجابي، الفاعل، فيما غيهو وجوردان يظلان في موقع التساؤل والانتظار.
لكن غودار، الذي أحب أن يجسّد تناقضاته في شخوصه، قد يكون قصد هذا التوزيع. فهنا، الشخصيات ليست كاملة، بل أنصاف. كل شخصية تجسيد خارجي لصوت داخلي عند المخرج نفسه: الحماس الثوري من جهة، والعجز عن تحويله إلى فعل ملموس من جهة أخرى. الانقسام بين الرجل والمرأة يصبح واجهة لانقسام أعمق: بين قوة الرغبة في الثورة وضعف الممارسة السياسية على أرض الواقع. إنها المفارقة الكبرى لليسار الأوروبي في أواخر الستينيات، التي يقدّمها غودار بأوضح صورها.ولعل الأهم أن هذه السياسة تتخذ هيئة علاقة حب. ففي النهاية، لا يخرج الشباب الثائرون في أوروبا من تراثهم الثقافي البرجوازي، بل يحملونه معهم حتى في لحظة التمرّد. الحب هنا ليس فقط عاطفة ولا استعارة، بل شكل من أشكال السياسة، وجسد آخر للصراع.

Figure 8 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 9 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 10 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta
ورغم أن البنية السردية تُظهر الزوجين في الحب وكأنهما يتشابهان في الأدوار والدينامية، فإن المعالجة الجمالية تكشف فارقًا خفيًا بينهما. فقد لاحظت سوزان لياندرا–غيغ وزميلها جان–لويس لوتران، في واحدة من أكثر الدراسات اكتمالًا عن الفيلم، أن الثنائي جوردان وبوتزيسي يحتفظان بمظهر ثابت طوال العمل، بينما غيهو وكاستلنوفو يتبدلان باستمرار: ثياب تتغير، انتقال من العري إلى الارتداء، كأن الزمن يمرّ عليهم وحدهم، ويترك بصماته على أجسادهم.
هذا التبدل يتضخّم بفعل المونتاج، الذي لا يتردد في الجمع بين لقطات يظهر فيها الممثلون في أماكن مختلفة تمامًا، بينما يستمر الحوار بلا انقطاع. المشهد إذن لا يسعى إلى تحقيق انسجام مكاني تقليدي. منذ البداية، يوضع الفيلم تحت علامة سؤال: هل تقتضي وحدة الفكر واستمرارية المعنى أن تبقى الأجساد في انسجام مماثل؟كأن غودار يريد أن يقول لنا إن الفكرة قد تتدفق دون أن يتبعها الجسد، وإن السياسة، مثل الحب، لا تضمن بالضرورة تماسك المكان أو ثبات الشكل. هناك دومًا هشاشة، شرخ، فجوة يتسلل منها الزمن ويعيد تشكيل الصورة.

Figure 11 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 12 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 13 : British Sounds (Groupe Dziga Vertov, 1969), © Gaumont

Figure 14 : British Sounds (Groupe Dziga Vertov, 1969), © Gaumont

Figure 15 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta

Figure 16 : L’Amour (Godard 1967), © Carlotta
من السهل القول إن غودار، في الحب، أعاد إنتاج نظرة ذكورية مألوفة، جسّدت المرأة في هيئة جسد يُفتَّت ويُراقَب. لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالمشهد الإيروتيكي عند غودار لا يكتفي بالاحتفاء بجمال برجوازي كلاسيكي، بل يعمل على مستويين متوازيين: تفكيك الجسد ثم تسييسه. نراه يرسم جغرافيا حميمة، حيث تتجاور تفاصيل الجسد مع إشارات الثورة، وحيث الإيماءة العاطفية تصبح شبيهة بحركة احتجاجية.
صحيح أن جسد كريستين غيهو يخضع لمعايير الجمال الغربي، لكنه لا يُمنح لنا كاملًا إلا بعد أن يمرّ عبر عملية تفكيك وتركيب، أشبه بالمونتاج. وما أن يُعاد تكوينه حتى يتخذ وضعًا أقرب إلى التمثال الكلاسيكي: قانون جمال يعكس انسجام الشكل، وقانون رغبة يبرره كواحد من المشاهد النادرة التي يلمس فيها الجسد جسدًا آخر، في تواطؤ حسي يختصر حضور الشريك في يد تمتد فقط.
هنا يستعير غودار زمن الرسم: نظرة تتوقف عند كل جزء، قبل أن تُعيد تشكيل الكل. لكنه يضعنا أيضًا أمام سؤال أوسع: كيف يمكن تصوير الحب أصلًا؟ في ألفافيل (1965)، تساءلت آنا كارينا بلا كلل: ما هو الحب؟ وما الفرق بينه وبين اللذة العابرة؟ بعد عامين، لا يزال الجواب معلقًا. في الحب، يوزّع غودار الأجساد في أوضاع مختلفة، يغيّر زوايا الكاميرا، يضاعف التفاعل مع المكان، دون أن يستقر على صيغة واحدة. كأن الحب لا يمكن للسينما أن تدركه إلا من خلال مجموع شظايا متناثرة.
وهذا التفتّت البصري لا ينفصل عن السياسة التي يتخذها الحب هنا استعارةً. فالثوري، بدوره، لا يرى إلا شظايا من العالم: صراع هنا، انتفاضة هناك. لا صورة شاملة، بل لقطات مقرّبة تُجمع لتكوّن فكرة عن الكل. كما يقول فريدريك جيمسون: إن أصعب ما نواجهه في زمن الرأسمالية الحديثة هو القدرة على «رسم خريطة» لهذا العالم الممزق. وهذا بالضبط ما يعانيه أبطال الحب: عيونهم أسيرة مكانها، لكنهم يتوقون لاحتضان مشهد يتجاوز طاقتهم الفردية. أمام عجز السياسة كما أمام عجز الحب عن التمثيل الكامل، يختار غودار أن يجيب بالتفاؤل: لا يتوقف عن التنقيب في الجزئيات، في التفاصيل الصغيرة، لعلها يومًا ما تتجمع وتشكّل صورة كلية.
خاتمة
هكذا يرسي الحب أسس سؤال سيصبح مركزيًا في مسيرة غودار: العلاقة بين الحب والجسد والسياسة. سؤال يحاول أن يصل ما فرقته الصناعة الثقافية: الرومانسية التي صارت من نصيب السينما البرجوازية، والالتزام الذي صار علامة على سينما العالم الثالث.
وبينما يظل الفيلم أوروبيًا في إنتاجه وأسلوبه، فإنه يكشف شعورًا خانقًا بالحصار، وإحساسًا بأن السينما المؤلِّفة قد بلغت حدودها السياسية والجمالية. لا نجد في أي لحظة خطًا فاصلاً واضحًا بين «هنا» و«هناك»؛ أوروبا والآخر. كل شيء مشتبك في عالم يتجه نحو العولمة، حيث الهوية لم تعد تُعرَّف بالانتماء الوطني. حتى العلم الفرنسي الذي يرفرف في خلفية مشهد على سطح باريس، يظل ضبابيًا وبعيدًا، كأن حضوره الباهت إعلان عن أفول رمزيته السياسية.
من هنا يتأرجح غودار بين حركتين متناقضتين: من جهة، إدراكه لتلاشي الحدود الثقافية وسعيه للتفكير في التزامه السياسي عن بُعد. ومن جهة أخرى، معاناته من صعوبة تصوير عالم جيوسياسي بالغ التعقيد، متعدّد، لا يمكن القبض عليه كليًا. هذان التوتران هما المحرك الخفي لجماليات الحب، وهما أيضًا ما يكشف عن علاقته الملتبسة بـ«أوروبيته»: اعتراف بها، ودفعها في الوقت ذاته نحو حافّة الانكسار.
المؤرخ أوين لاتيمور قال مرة إن الهدف الأول من بناء سور الصين العظيم لم يكن صدّ الغزوات الخارجية، بل منع الصينيين أنفسهم من المغادرة، وإجبارهم على البقاء ضمن هوية واحدة مغلقة. بيار بورديو استعاد الفكرة ليقول إن كل الحدود، مادية أو رمزية، تؤدي الوظيفة نفسها: أن تمنع من هم «في الداخل» من الخروج أو التفلّت. وعلى هذا القياس، يمكن أن نرى الامتيازات الرمزية المرتبطة بمكانة «المؤلف»، وقوانين الحداثة الجمالية، والتفرد في الأسلوب، والالتباس الأيديولوجي، كأنها السور العظيم للسينما الأوروبية المؤلِّفة. الهروب الذي بدأه غودار ابتداءً من 1968، وكان جنينه في الحب، لم يكن سوى فعل تسلق لهذا السور.
*رافاييل جودون – باحث وناقد في مجال السينما، انشغل في أعماله بتحليل البُعد السياسي والجمالي في الصورة السينمائية، مع اهتمام خاص بغودار والسينما الأوروبية الحديثة.