تخطى إلى المحتوى

قصائد من مجموعة:” زقاق ضيّق يُذكرني بالمطر.”

المنفى جميل، أنجيه، 8 ديسمبر 2023.

كل يوم سأقول بأن المنفى جميل

وسأكتب عن أمي باعتبارها بنتًا صغيرة

لها ضفائر

سأحن إلى الوطن مثلما يحن الجنود

إلى أمهاتهم. 

سأنظر إلى عروقي الخضراء

إلى هذا البرد في العظام

سأقول بأن الشتاء سيمر سريعًا

وإن شاء الله في العام القادم

سأعتاد البرد

حتى لو كنت لا أؤمن بالله كثيرًا

ولا أحب المطر

أو النهارات الباردة  

حتى وإن كنت مشغولة

بكتابة قصيدة في هاتفي

عن عبور الشارع

كل يوم سأمشي

سأضحك في وجوه الأصدقاء

حتى لو أن قلبي ينغز ولا ينبض

ولن أقول

يا أصدقائي أنا متعبة

من البرد

والخطوات

وغياب الشمس

من أشياء صغيرة

ليست كالجراح التي جئت بها من بلادي

أعرفها وأستطيع أن أسميها

لكنّي لن أشير إليها

لن أقول بأني هربت من بلادي

كما يهرب أرنب من مسلخ

سأقول بأن بلادي جميلة

وسأغني بلادي بلادي

مع كل جماعة تمشي

وأظنهم ذاهبين إلى ميدان ما

مع كل جماعة تضحك

وتذهب لتشتري الخبز

لن أقول بأن خطوتي ثقيلة

وأن أمي لفظتني كما تلفظ جرذًا

سأقول بأنها بنت صغيرة

لها ضفائر

ولا تعرف بعد كيف

تفتح باب القفص 

للعصافير. 

إحدى البارات المقابلة للسيتيه، باريس، 10 نوڤمبر

2022

أرغب في قول الكثير من الأشياء

لكن لا أعرف ما هي بالضبط

قطرات من الماء البارد تتساقط في قلبي

وأنا لا أفعل شيئًا حيال ذلك.

لا أرغب في الكلام أو الحركة

أو الإيماء لتحايا الآخرين

أو الهرولة لاحتضان أحد ما.

أود أن أصير نبتة

لا تتحرك سوى في اتجاه الشمس.

الأوراق تتساقط في كل مكان

وفي بعض الأحيان

حين تسقط على كتفي ورقة ما

أقول: “مرحبا بك أيض ً ا”

لكن اليوم لم أقل شيئًا للأوراق المتساقطة

قلبي صار ضيقًا جدًا

لا يكفي حتى لعبور دمعة.

بالأمس قابلت الكثير من الناس

لم أشعر أن أحد ً ا منهم يمكن أن يصير صديقي

لم أستمتع بدحرجة الكلام أو الضحك

ومر الدم في عروقي ببرودة شديدة

وفي المساء كان قلبي قد تجمد أكثر فأكثر.

شربت الكثير من الواين لكن ذلك لم يغير شيئًا

ترسبت البرودة على سطح الأمكنة والجلود.

ولم أستطع منح الحب أو استقباله

شعرت بباريس تتسع مسافات ومسافات

وقاومت الرغبة في تسمية كل تلك الشوارع الغريبة:

موطني.

لم أشعر بالراحة بقية المساء

ولا عندما استيقظت في صباح اليوم التالي

بقيت النهار كله في السرير

وحين خرجت بعد ذلك لشرب القهوة مع شخص ما

انكمشت على نفسي أكثر فأكثر

وكان ظاهرًا إحساسي بعدم الألفة

فقط رغبت في العودة مرة أخرى إلى المنزل

أشعر بذلك دومًا في النهارات التي لا تشرق فيها الشمس.

لكن أحاول ألا أنحاز إلى هذا الاحساس بعدم الرغبة في الحياة
إلى تساؤلي حول حقي بتسمية هذه الغرفة في باريس منزلًا

المبالغة بالحاجة إلى المنزل والوطن والعائلة

ومحاولة البحث عنهم في كل مكان.

أمشي وحدي خطوات بسيطة

وأفكر أحيانًا: هل ابتعدت فعلا ً عن المنزل؟

لكن أفكر مرة أخرى: أي منزل؟

لقد عشت في أحد عشر منز لا ً في حياتي

وتوصلت في النهاية

إلى أن المهم هو العثور على مكان للنوم

وبطانية حسنة الجودة

وحذاء يصلح للمشي الطويل.

وإلى أن ابتسامة الغرباء لها نفس وقع ابتسامات الوالدين

الرغبة في الموت مماثلة للرغبة في الحياة.

وكلاهما لا يعنيان شيئًا

الشعور بالثقل طبيعي مثل الشعور بالخفة

وكلاهما مهمان للعيش بتوازن

النهار يهبط ويعلو

ولا جدوى من محاولة البقاء في الأعلى طوال الوقت.

المهم هو إيجاد طريقة ما للتعامل مع الغرابة

وأنا سأعد الشاي لكلينا

سأفتح الباب لأيامي الصعبة

وأنفض المطر عن معطفها الجلدي

سأحتضنها حتى وهي كئيبة ومتسخة

وأقول:

“لدي َّ مكان إضافي للنوم

ومرحبًا في أي وقت”.

بحثا عن منزل ما، باريس 5 ديسمبر 2022

أحاول ألا أفكر في أشياء تدعو إلى الكآبة

في الأيام الماضية التي لم أغادر خلالها المنزل

في الإحباط المفاجئ الذي يرافق نهاية الحفلات

العشر محطات القادمة

التي قد تحملني إلى منزل ما.

جميع أحلامي الأخيرة تدور في منزل طفولتي

وأحاول ألا أفكر في السبب وراء ذلك

فالمنزل تحول إلى صالة عزاء

وكل يوم أحلم بشخص يموت فيه.

لم يعد لهذا المنزل وجود سوى في أحلامي

غادرناه واحد ًا واحد ًا مثل طيور تفر من حريق ما

وغادره والداي أيضًا إلى طرق غير متقاطعة.

بقي والدي وحده في منفاه

سكن غرفة صغيرة ومفروشة

وأخذ يتقلب في الكوابيس

يقول إنه لم ينم منذ ثلاثين عامًا

ويريد العودة إلى وطنه

لينام بأمان في المنزل.

لا يجرؤ والدي على قولها صراحة

لكنه يعلم أن ما منزل هناك بانتظاره

وأن ثلاثين نهارًا في المنفى

لم تكن كافية لإنشاء منزل ما.

فالغربة التي يعيشها متأصلة في رئتيه

وقد انتقل مرضه إلى أجهزتنا التنفسية

حتى صار التنفس جارحًا

وتحولنا إلى عائلة تسعل كثيرًا.

أضاع والدي حياته عند زقاق ما

وجعلنا كلنا ندور معه بحثًا عنها

قال إن معنى حياتنا يتمثل في العودة ذات يوم

إلى منزل لم نولد أصلا ً فيه.

مشيت خلف خطواته بادئ الأمر

بحثت أولا ً في الأمكنة التي بحث فيها

أردت منز لا ً للعائلة

يوقف هجراتها المستمرة.

حكى لي والدي عن أبيه

الذي ولد كل ابن من أبنائه في مدينة مختلفة

وكذلك فعل والدي

أسقطنا جميعًا في صحراء بعيدة

ولم يعرف وهو يفر من عائلته قبل ثلاثين عامًا

أنه الشقي الذي حمل لعنة السلالة.

سألت والدي:

“لماذا نمسح الأرض بأقدامنا

ونتيه هذا التيه؟”.

أدركت ذلك وأنا أعد المنازل التي تنقلت فيها

فقد عشت في أحد عشر منز لا ً حتى الآن

ثم أقسمت ذات يوم إنني لن أبحث عن منزل بعد الآن

سأذهب إلى بلاد بعيدة وأنجو من العائلة.

ردد والدي كثيرًا أنه سيموت في منفاه

وأنه يعلم يقينًا أنه لن يعود إلى بلده أبد ًا

حكى باكيًا أنه فر من منزله غاضبًا ذات يوم

رفع رأسه إلى السماء ودعى بأن يعيش غريبًا

وأن يموت كذلك.

ونتيجة ذلك تشرد لثلاثين عامًا

لم يتمكن خلالها من العودة إلى بلده مرة أخرى

ولا من رؤية إخوته قبل أن يموتوا

حتى إن الأحفاد باعوا المنزل الذي تربى فيه

وما يزال يتخيل كل يوم أنه سيعود ليجد عائلته حية

وكبيرة.

لا يريد أن يفكر في أنهم ماتوا

وأن المنزل لم يعد موجودًا

وأنه يختار أن يتمسك بوهم كهذا

لأنه لا يملك غيره.

لا يستطيع أن يواجه أنه عاش وحيدًا

وأغلب الظن أنه سيموت كذلك

وأن حياته دارت في حلقة مفرغة

حلم وحيد أراده وحال كل شيء دون تحقيقه.

وكلنا كبرنا نحلم بالحلم نفسه

49عرفنا أن التخلي عنه خيانة لجذر ما

وعلينا أن نظل نحلم بالمنزل الدافئ

الذي يعود إليه الأولاد في إجازاتهم

بأم سعيدة

وأب غير مصاب بالأورام.

وأنا حدقت إلى هذه اللعنة

وحاولت فصل نفسي تدريجيًا

قلت إنني يجب أن أقفز خارج هذه الدائرة

أن أتخلص من لعنة أجداد لم أعرفهم

أن أبدل دمي إذا لزم الأمر

أن أغير اسمي

ولون شعري

ولكنتي في الحديث.

بحثت طويلا عن منزل أعود إليه

عن أعياد للمرح وليست للشجار

عن أب لا يدور في التيه

وأم لم تجمدها التعاسة.

كنت أنام كثيرًا في حفلات منازل أصدقائي

مثلت لي أجواء الفرح سريرًا آمنا أغفو فيه

ثم حاولت صنع منزلي الخاص

جلست قبالة وحدتي حتى لم أعد أفكر في الفرار منها

أحدنا قد تمكن من أكل الآخر

بدأت بصنع حفلاتي الخاصة

ودعوة الكثير من الناس طوال الوقت

حلمت بمنزل سعيد وقلت إني سأصنع واحدًا.

لكن بعد مدة لم تعد فكرة المنزل تعني لي شيئًا

قلت ذات مرة لرجل أواعده إني لا أحتاج إلى منزل

فالغيوم والطيور ليست لديهما فكرة المنزل هذه

وأنا مجرد غيمة أيضًا في نهاية المطاف.

لم أعرف أني أكذب حين قلت ذلك

لا أستطيع أن أكشف كذبي الخاص

تباهيت أمام نفسي بأني استطعت القفز خارج كارما

الأجداد

وأني سأتنقل في بلاد الله مثل طائر

لكن نسيت أن الله لم يخلقني طائرًا

وأني مجرد إنسان يريد في النهاية أن يعود إلى منزل ما.

ركبت السيارة إلى مطار القاهرة وكنت غاضبة جد ً ا

إلى حد أنني لم أرغب في الحديث إلى أمي

غزا تقززٌ شديدٌ جلدي كله

وأردت فقط أن أغادر سريعًا

أن أغادر قبل أن أختنق أو أغص

أردت أن أبتعد عن أمي.

عن المنزل الذي تحلق في سمائه لعنات كثيرة

إخوة طيبون وعالقون في دوائرهم

قلت: لن يخرجوا منها

وأنا لا أحتاج سوى أن أفر بعيد ً ا عن ذلك.

لكن اليوم وأنا أحاول التعامل مع فكرة أنني لن أعود حتى

سنوات طويلة

وأنا أقلب جواز سفري الذي يجب قريبًا أن أنسى أمره

وأنا أفكر غاضبة بالاسم الجديد الذي أود أن أختاره

لنفسي.

أدركت شيئًا وكان مثل سهم مشتعل ينغرس في قلبي

مثل نور التَمَع على سيف بارد فوق رقبتي

أدركت أن والدي فر مثلي غاضبًا ذات يوم

وبفراره انتقلت اللعنة من جيل إلى جيل

أدركت وإحساس بالخديعة غمر جسدي كله

أنني بطريقة ما أقوم بالشيء نفسه.

أتيليه فناني المنفى، باريس، 7 نوڤمبر 2022

اليوم لا أعرف أين أنا. رأيت السحاب يتحرك من سماء إلى أخرى وبدأت أبكي دون توقف. بعد قليل نظرت إلى السماء وكانت صافية تمامًا، لقد غادر السحاب كله، وشعرت بأني افتقدته بالفعل. جلست أمام النافذة طوال النهار، وبدأت أنظر إلى السماء وهي فارغة، ثم أنظر إليها بعد حين وقد ازدحمت بالسحاب. جاء شخص يعمل في المنظمة وسألني إن كنت بخير، فقلت إني أحاول فقط أن أستوعب شيئًا ما.

هناك فنانون حولي يأتون ويذهبون، رسامون وموسيقيون يحملون آلاتهم، وتساءلت إن كانوا يبكون أيضًا حين يرون السحاب يتحرك بسرعة كبيرة، أم أنني ربما مريضة بمرض ما يجعلني أنتبه وأبكي من أجل أشياء كهذه. ثم تساءلت أيضًا إن كانوا جميعًا مصابين بهذا المرض، ربما بدرجات، ولماذا لا نتحدث علانية عن ذلك؟

ربما ننشئ منظمة أو ما شابه، ثم سنتمكن فيما بعد من تشارك التعاطف. بعدها سيقدر الواحد منا أن يقول بصوت مرتفع إنه يشتاق إلى سحابة رآها تقفز بالأمس، أو إنه وقف لدقيقة كاملة في مكانه لأن حمامة كانت تتمشى أمامه على الرصيف. سيتمكن أحدنا حتى من أن يقول إنه حاول إيقاف أنفاسه حتى تتمكن الطيور من أن تحط على كتفه دون أن تخاف.

وقد أتمكن أنا من أن أقول إن قلبي في بعض الأحيان يصير ثمرة برتقال معصورة، ولا أستطيع حينها أن أقول شيئًا، أن أتحدث أو أتنفس أو أمشي. أبدأ بإخراج رأسي من النافذة وأتمنى أن يقتلعه الهواء من مكانه، بينما السيارة تسير بسرعة إلى وجهة ما غير معلومة. ويد لا أعرفها ترغب أن تربت على كتفي، وترغب كتفي أيضًا أن تربت عليها يد ما، لكن الرغبات تظل هكذا، معلقة وتدور.

سألني فنان أفغاني قبل قليل إن كنت أشتاق إلى عائلتي، وقلت إني لا أشتاق إلى أحد أبدًا. أغرق في النهار، وفي السحاب الذي يتحرك، والحمام الذي يتمشى على الرصيف، ولا أملك بعدها وعيًا يجعلني أشتاق أو أتذكر. فقط أدور في مكاني، أدور حول منتصف ما. بينما جسدي جالس على كنبة مريحة في المنظمة، والفنانون يأتون ويذهبون. أفتح حاسوبي المحمول أمامي، وأستعد لمحاولة الكتابة في تلك الرواية عن حياتي، لكن طبقات كثيرة بيني وبين طفولتي، معظمها هش وناعم وريشي.

كل يوم أستيقظ وأقول: “اليوم سوف أغير اسمي وأنسى معظم الذين عرفتهم”، ثم يمر النهار دون أن أفعل ذلك، فأبكي في المساء وأنام وأقول: “سيجيء الغد وسأجرب مرة أخرى”. وأنزل لأتمشى في شوارع باريس، وأتمنى لو أني أملك أقدامًا تشبه أقدام الحمام، لأن أيامي لم تعد خفيفة مثل السابق، وأريد تلك الأقدام حتى أقفز وأقفز.

غراب أسود رأيته في حديقة ينقر في الأرض، ومنذ ذلك الوقت وأنا أشعر من حين إلى آخر بنقرات في قلبي، وأقول لذلك الغراب أن يتوقف، قلبي لين مثل برتقالة معصورة.

آه يا منظمة فناني المنفى، منذ أتيت إلى هنا، أصبحت أكثر وعيًا بمنفاي، وشعرت بأني بعيدةٌ عن وطن ما، وصار في قلبي بكاء كثير، لا أعرف حقًا ماذا أفعل به.

Finding the elephant، نانت، 6-10 يناير 2023

أمشي من وقت إلى آخر إلى مقهى La Trainquette في نانت، حيث أواعد نفسي هناك وأقضي وقتًا طيبًا، وغالبًا أكتب قصائد على نفس الطاولة القريبة من الزاوية. لكن اليوم ذهبت باكرًا جدًا، كانت الكراسي ما تزال مرصوفة فوق الطاولات، لذلك أجلسوني على طاولة بالقرب من الباب، حيث شحنة من هواء بارد تصفعني كلما فتحه أحد.

أبديت انزعاجًا واضحًا في البدء، غير أني مع الوقت اعتدته، وبدأت أتذكر قصة الضفدع الذي اعتاد الارتفاع التدريجي لحرارة الماء في قدر المختبر، فتكيف حتى مات من درجة الغليان. قفزة واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء.

لكن اليوم لم أرغب في القيام بهذه القفزة. بقيت قرب الباب وفضلت التكيف على صفعات الهواء، مثلما فضلت التكيف الأيام الماضية على غرفتي في الكادا، بورق حائطها الأخضر أو الرمادي المائل إلى البشاعة. أيدٍ كثيرة طبعت عليه آثار القلق والانتظار. أحيانًا كنت أضع يدي على الحائط، على هذا الأثر الواضح لمرارة الأيدي، وأصافح يدًا كانت هنا، أو ربما ما زالت.

في يومي الثاني في نانت، قابلت في البار رجلًا يدعى غزافي، ورأيت أنه يشبه هذه المدينة تمامًا، غامض وصامت، غير أن عينيه البندقيتين تومضان بالكثير من الشغب. اقترح أن أطلب الموخيتو عوضًا عن البيرة، وابتسمت دون أن أخبره بأنها شرابي المفضل. وبعد ساعات من الضحك معه، عدت إلى النزل وشعرت أني سقطت في حفرة ما. هل أصبحت هذه حياتي الآن؟ رغبت فقط في الخروج مرة أخرى.

مع الوقت، بدأت هذه الغرفة تصبح صديقتي، ليس لأنها فقط تحميني من برد الخارج، بل من الرغبات السرية لمدينة مجنونة مثل نانت، خصوصًا عندما ترفع صوت رياحها في الليل، فأشعر أحيانًا بأن هناك أمواجًا ما قادمة، وصوت هذه الرياح ينبئ برغبة المدينة في الزحف حتى المحيط.

أحيانًا يقطع نحيب الرياح صوت ڤيڤيانا في الغرفة المجاورة، تنادي ابنها خوان بابلو، فأتمكن من أن أخرج رأسي من تحت البطانية مرة أخرى، وأشعر أني امتلكت تعاويذ إسبانية أواجه بها المدينة في الليل، وأن نانت عليها أن تنسحب الآن وتهدأ.

عجلات حقائب المهاجرين التي تُجَر طوال اليوم في الكادا تفهم هذا التداعي.

“آلانواج، هل رأيت الفيل؟”

أستيقظ في الليل:

“ليس بعد

ليس بعد

لكن لا تقلقي يا نانت، ولا ترسلي نحيبك ورائي. سأذهب غدًا لأطارد الضوء، لكني سأعود حتمًا لأعثر على الفيل.

تشاو!”

قلعتان كبيرتان، لا تأبهان حقًا. أنجيه، 19 فبراير 2023

سألني جونثان اليوم: 

“عمّ ستكتبين؟”

وقلت: “لا أعرف،

“ربما عن الأيام الفارغة التي تمر بسرعة”.

وبالتفكير في عدم القدرة على مغادرة الفراش منذ أيام 

قال جونثان: “وأنا أيضًا، 

لكن سأحاول كتابة بعض الموسيقى”.

ثم قال: “أنا والرفاق نستطيع توفير غرفة نوم لك 

إن أردت المرور على نانت في أي وقت،

تعلمين أن 

الرفاق 

والفيل 

وأنا

 نشتاق إليك.

قلت: “لقد قضيت وقتًا ممتعًا في نانت 

على الرغم من أنهما كانا مجرد أسبوعين”.

ثم سألت نفسي: 

“حقًا؟”.

أعلم أني كنت أهرب إلى الخارج طوال الوقت 

بعيدًا عن غرفتي في الكادا بجدرانها الخضراء 

عن صوت تنفس المدينة في الليل

وعن الحياة التي تنزلق أقدامي فوقها.

لكن هنا في أنجيه

احتجت إلى وقت لأتنفس بهدوء 

لأضع يدي حول وجهي وأقول: “اهدئي”

لأفتح نافذة في رأسي فتخرج الكوابيس

للخوف أن يرتفع حتى أنفي 

فأجد طريقة لأتنفس من خلاله 

وللبرد أن يحتل جسدي 

فلا أشعر به بعد الآن.

تنفست صباحات أنجيه المشبعة بالبرودة 

وتجولت كثيرًا في الشوراع ليسقط القلق 

والذكريات 

تركت شبح أمي عند زاوية ما 

وعدت بعد أيام فوجدته قد تلاشى 

حرق بسيط خلّفه على الجدار. 

لكن الأشياء كلها ليست عن نانت ولا عن أنجيه 

بل عن طرقي الشائكة التي مرت عليهما 

عن جثتي التي سحبتها من على شاطئ نانت الوهمي 

حتى أحراش أنجيه التي استعدت أنفاسي فيها 

عن الأحمال الكثيرة التي أجرها من مدينة إلى أخرى 

القيود والذكريات المرة والأسماء التي أبدل بينها

المدن التي أسقط عليها الحب والكراهية والأسى 

بينما أسوارها ثابتة منذ قرون 

عابرون كثر سقطوا على أزقتها في النهار. 

الأشياء ليست عن نانت أو أنجيه 

فهما قلعتان كبيرتان لا تأبهان حقًا 

إنها عنّي أنا 

عبرت يومًا على هذه الأرض 

بندوب غير ظاهرة

ووجه جميل يبرع في تغطية الوحدة.

بخطوات عملاقة 

هي في النهاية 

مجرد دبيب لا يوقظ أحدًا.

على الطريق السريع، أنجيه، 5 ديسمبر 2023 

قال لي ونحن على الطريق السريع:

“أنتِ خائفة؟”

وأنكرت بالطبع

أنكرت الخوف الذي تحت جلدي

ثم عاد وقال: “بلى، تبدين خائفة”

قلت ضاحكة:

“I came from Egypt, I should be scared

رغم أني لا أشعر فعليًا بالخوف

أعني؛ 

ليس كما شعرت به من قبل.

هنا أدركت أن الخوف أيضًا درجات

وفي إيجبت

اعتدت ذاك الارتجاف

صار جزءًا من تنفُّسي.

ممَّ نخاف في إيجيبت؟

من كل شيء 

إنه خوف متوارث 

منذ الجد السبعمائة ألف تقريبًا.

من عبور الشارع 

من النظرة في الطريق العام 

من اللمسة الخطأ 

واللمسة الصحيحة 

من الأب

ومن الأم.

نخاف من أخذ الحياة 

من منح الحياة

على الرغم من أن ساندرا قالت لي 

في دروس اللغة:

“شخص ما منحك الحياة 

بدورك يجب أن تمنحيها شخصًا آخر” 

وبدا كلامها مؤثرًا جدًا.

سكتُّ لبرهة

لم أستدرك من هو؟

قالت ساندرا متعجبة وشارحة:

“أمكْ”.

فكرت في أنني أتمنى لو لم أوجد

ولم أنتبه إلى أني قلت ذلك عاليًا.

التفتت ساندرا: “ألا تحبين الحياة؟”

“أحبها بالطبع

لكن هذا لأني تورطت وانتهى الأمر”.

هل لدينا خيار ألا نحب هذا العالم؟ 

حتى وأنا أصفه بالعالم القبيح والمُرّ

حتى وأنا أنازع كي أشرح 

لماذا لا أريد أطفالًا.

أماندا من كاليفورنيا قالت: 

“رجال عجائز يملكون القوة ويتحكمون في العالم”

وأنا تحدثت عن الأطفال الموتى هنا وهناك 

نظرت من النافذة وقلت: “Anyway”

ثم أمسكت بكوب القهوة. 

ضحكت ساندرا 

ضحكت أماندا 

ضحك الجميع. 

كيف حال الطقس اليوم Anyway؟ 

إلى أين ستذهبين اليوم Anyway؟

ضحكت

أحسست بالذنب 

ونظرت إلى السماء مرة أخرى. 

لدينا رفاهية التحدث عن المأساة 

ونحن نشرب القهوة. 

المأساة ليست بعيدة جدًا

لكن هل تخصني فعلًا؟

فكرت في الأمر مساءً 

فكرت في ه وڤالنتين يغلق بنطاله 

ويتذمر بشأن عمله. 

رأسي العائم في فرنسا نظر إليه وقال:

“Everyone has a choice”

لكن رأسي القادم من إيجيبت تابع:

 “Or maybe not”.

سأكون كاذبة إن قلت 

إن رأسي في مكانيْن.

رأسي هنا 

في أنجيه الكئيبة جدًا

وأحيانًا لا أشعر بالذنب. 

لكن فقط 

أشعر بالخوف الطفيف. 

يشتمَّه الآخر 

يسألني:

“لماذا تفزعين هكذا؟”.

وأنا لا أعرف 

لكن أخاف أحيانًا 

مثل هذه اللحظة. 

أنا خائفة من أن أنهي القصيدة 

وأرفع رأسي

لأنظر إلى العالم.

ترويض الظلمة، أنجيه، 20 يناير 2024

أردت أن أكتب شعرًا بسيطًا

كأن تقول لصديق ما:

“هناك بقعة قشدة على جانب فمك”

كأن يقول لك صديق ما:

“هنالك بقعة دم على قميصك”.

أردت أن أبتسم حين يقول ذلك

وأن أراوغ هذه الإشارات 

عن كوني حزينة دائمًا في الشتاء. 

أردت أن أستيقظ في الصباح 

وأركض مثل الفرنسيين

على جانب الطريق. 

لكني أبصر الطريق من خلف النافذة 

والشجرة التي أمام المنزل 

تخلت عن أوراقها الخضراء.

أتيت إلى الحياة وأنا أظن 

أني كنت هناك من قبل 

كل نجمة مألوفة بشكل ما 

كل حزن متكرر.

لكن رغم ذلك 

في الليالي الحزينة 

حين حتى النجوم

لا تستطيع ترويض ظلمتي.

أضع يدي على قلبي 

وأتخيل أني ميتة في مكان ما 

أني مدفونة في غابة ما 

أني غير موجودة في حياة ما. 

كل هذا الحديث والكلام عن الكآبة

لا يعني شيئًا. 

لأن هذا التوق إلى الموت 

لا يدفعه سوى رغبة أعمق في الحياة 

في أني سأحيا من جديد في زمن ما 

ولن تكون حياتي كئيبة

لن يكون عقلي معطوبًا

ولن تحجم الأدوية قدرتي

على الكتابة بغزارة.

أضع يدي على قلبي

وأحلم بأني حيّة في مكان ما

أن الصدمات لم تلق بعقلي في هاوية 

أن بلادي لم تجبرني على النزوح 

وأن منفاي أكثر دفئًا من هذا. 

أحلم بعائلة 

بولدين صغيرين 

وبصباح لا يبدأ

بعدد لا يحصى من الأدوية 

تحرص على عدم تهاوي عقلي

نهاية النهار.

لستُ سمكتك الحمراء، أنجيه، 4 فبراير 2024 

ستمر أيام كثيرة

سأشعر فيها أني أفتقدك 

التمشية في شوارع أنجيه 

التنقل بين بار الجوكر وbdc

الذهاب إلى منزلك ليلًا وأنا على وشك النوم

الاستلقاء في حضنك على الأريكة ومشاهدة التلفاز.

ستمر أيام أشعر فيها أن جزءًا مني ناقص

جزءًا برعت في أن تدخل إليه وتتكون فيه

لكني الآن أشعر بأن كل هذا غير حقيقي 

أنك ستتصل في أي لحظة 

وسنذهب لنهيم في الشوارع.

قلت لي: “إنها المرة الأولى

 التي يفهمني فيها أحد”

لكن على الجانب الآخر 

على جانبي اليابس 

لم أشعر بأنك تفهمني

وأنك ستكون إلى جانبي مهما حدث. 

انحزت دومًا إلى جوانب الآخرين 

في كل حكاية حكيتها بتردد عن نفسي 

في كل جرح قررت إعادة فتحه ومنحك إياه. 

فعلت ذلك مازحًا بالطبع

لكن ما الذي كنت تنتظره؟

أن أتعلق بك وكأني فتاة في السابعة عشرة 

تنظر بتردد إلى الحياة وتراك كل آمالها؟ 

سأبلغ الثامنة والعشرين بعد أسابيع 

وقد جربت هذا من قبل 

أن يقترب منك شخص ما 

شخص بالكاد تتعرف إلى عينه 

وأنت ثمل ومتعطش للحب. 

أن يمحنك كل ما تتمناه من الرعاية

وكل ما تعرف من الحب 

لكنك تدرك بعد زمن أن هذا الحب مسموم 

وأن القبلة تريد أن تقول كلمات بذيئة

أن اللمسة كاذبة ومسكونة بالخوف. 

لقد قطعت شوطًا كبيرًا 

غير أني ما زلت أتعثر بالرجال أمثالك 

الذين يأتون ويبتعدون 

يظنون أن الحب لعبة 

وأن المرأة قطعة أثاث. 

لكني أشتاق إليك على الرغم من ذلك

أنا أيضًا ملأى بالهواجس

ما زلت لم أعرف طريقي في الحياة 

ما زلت لم أدرك تمامًا من أكون. 

غير أن شيئًا واحدًا تعلمته بعد قسوة

أني أستطيع استشعار الطمأنينة الكاذبة

أستطيع إدراك خوف الآخر ينساب إلى جسدي

وأستطيع بكل حزن أن أدرك أنك تريدني 

لكن كما يريد طفل سمكةً حمراء في كيس بلاستيكي. 

ربما أنا سمكة حمراء

 أرادت أن تجوب معك المدينة 

أن تراها من خلال عينيك اللامعتين

 اللتين أشتاق إلى النظر إليهما.

لكنني أيضًا أشتاق إلى المحيط الذي أعرفه 

بعيدًا عن منزلك الذي اعتدته وقفص الزينة 

الذي صنعته من أجلي.

بدأت أختنق 

ولا أعرف لماذا على الحب أن يكون صعبًا

وأن على أحدنا أن يفقد نفسه في الآخر.

ألم يكن من الممكن أن تحبني 

دون أن تستغل الهشاشة 

أو أن تغمرني بالأغنيات؟

لقد صرتُ أغنيتك الحزينة بالفعل 

لقد صرتَ أغنيتي الحزينة بالفعل.  

آديل تغني “woman like me”

أستمع إلى هذه الأغنية مرارًا

وأنت لست مثلي 

تعيش في عالم من سحاب. 

أنت على الأرض

قدمك ثابتة 

ولديك كل ما حلمتُ به.

لكن ليس هكذا 

ليس على هذا النحو. 

لستُ سمكتك الحمراء

وأنت لست أغنيتي.

الذنب ينطبع على الأشياء، أنجيه، 23 فبراير 2024 

قبل قليل قال لي مشرد جالس عند الصيدلية: 

“بونجوغ مدام” 

ولم أرد عليه التحية 

وعندما خرجت من الصيدلية 

وأنا أحمل مضادات الذهان

لم يكن موجودًا 

صار ندبة زرقاء في قلبي.

يمكن لإحساسي بالذنب أن ينطبع على أي شيء

صديقتي التي أجهضت طفلها وقالت: “أشعر بالذنب”

بعدها صرت أشعر بالذنب أنا أيضًا.

سألتني الصيدلانية ثلاث مرات: “هل أنت بخير؟

هل أنت متأكدة؟

متى سترين الطبيبة؟”.

أجبت: “وي وي”، وشعرت بالذنب

لأني تركت التعب ظاهرًا على وجهي

لأني تركت رغبات الانتحار ملاحظة 

عدت إلى المنزل وغطيت وجهي بمساحيق التجميل. 

يجب على هذا الوجه أن يظل نضرًا

وعلى الأظافر ألا تحترق بسبب السجائر الرخيصة

وعلى الأسنان ألا تصفر بسببها أيضًا.

ففي حال مت 

سأشعر بالذنب وأنا أترك الندوب واضحة 

والتعب ظاهرًا.

وما يمنعني من الانتحار 

هو أني سأشعر بالذنب أيضًا

سيلوم أصدقائي أنفسهم

سيقولون: “ربما لم نكن موجودين كفاية”.

لكن الحقيقة هي

حتى لو أن العالم بأكمله صار حاضرًا

ما زلت لا أرغب في العيش 

لأن العذاب الذي في قلبي

في عيني 

في رئتي

لا يمكن احتماله.

أريد أن أغادر دون ضجيج

بأبسط طريقة 

وأخفّ وداع

لكنّي ما زلت لا أعرف كيف. 

الهرب داخل الدائرة نفسها، أنجيه، 24 فبراير 2024

هربت من نفسي 

ظننت أنني سأجد السعادة في مكان آخر

تقول صديقتي: “أن تهرب، يعني أن تظل في المكان ذاته”

وهذا ما فهمته في وقت لاحق 

وأنا أدور في الدوائر نفسها

في أجمل بقع العالم.

ما زلت أحمل قلبي المعطوب 

وعقلي الهش 

ما زلت أبكي 

في باريس ونانت وبروكسل وأنجيه وفرانكفورت

في كل المدن التي زرتها وقلت: “هنا سيصلح عقلي”.

ما زلت أدور في دائرة من موت

أذهب إلى جلسات العلاج النفسي 

أحاول أن أصلح علاقتي مع ذاتي 

أمارس التأمل أحيانًا

أشعر بتحسن طفيف 

وفي أوقات اليأس

أظن أن التشافي مجرد خدعة. 

هل يمكن أن ينقذني أحد؟ 

هل يمكن أن أنقذ نفسي؟ 

أقول إني أحب ذاتي 

لكن أحيانًا أتصرف عكس ذلك

بالسجائر التي تدمر رئتي 

بالعلاقات العابرة التي تترك أثرًا شنيعًا

وأتساءل: “ماذا لو أن علاقتي بأمي لم تكن سامة؟” 

كنت سأحب ذاتي بشكل فطري. 

لكن لا يوجد أحد لألومه

لا يوجد أحد لأكرهه.

أنا هنا الآن 

وحدي 

عليّ أن أنظف العفن في الجروح 

وأن أراقب التئام الشقوق في قلبي. 

عليّ بكل صبر أن أنمو 

مثلما تنمو سنبلة 

مثلما تتفتح فراشة. 

وعليّ أن أتحلى بالأمل 

ألا أفقد أحلامي 

لأنه في هذا الوقت الحرج 

فإن حلم أن أحلّق من جديد 

هو كل ما أمتلكه. 

من أغاني المهاجرين، أنجيه، 29 فبراير 2024

لا يكفي أن تعبر إلى الضفة الأخرى

حتى تصل إليها فعلًا

ستظل لغتك المكسرة تذكرك بذلك

شعرك الأسود المجعد 

وبشرتك القمحية.

ستسير بقدمك على الضفة الأخرى 

ستأكل وتمشي وتنام 

وربما تخرج في مظاهرات 

من أجل الحرية. 

لكنك لن تكون أبدًا هناك 

لن تصل كلك 

أجزاء منك ناقصة 

متطايرة 

متروكة. 

ستقف بجانب الآخرين 

ستمشي في الشوارع 

لكن لن تكون نفس الشوارع 

بالنسبة إليك. 

سيقولون لك بونجوغ كل صباح 

وسترد عليهم بالكلمة ذاتها

لكنها ستخرج من فمك مختلفة 

ستشرب معهم القهوة 

على الطاولة ذاتها

إن كنت محظوظًا

لكن كل شيء سيبدو مختلفًا.

ستكتب قصائد كثيرة عن الهجرة 

والمهاجرين

دون أن تعي أنك الآن هذا الآخر. 

ربما سيكون لك بيت وشارع

وأبناء لا يتحدثون سوى لغة مهجرك.

لكنك لن تكون أبدًا معهم 

لن تكون منهم 

ستظل مثل ندبة

أو جرح

وسيجرؤ كل شيء على تذكيرك بذلك.

وأنت تسلك طريقًا مختلفًا، أنجيه، 24 ديسمبر 2023 

“ومتى ستعود؟”

“لو أعلم، ما كنتُ ذهبت”.

لم تمنعني الكآبة من الشعور بدفء الشمس

والانتباه لصوت العصافير

لأوراق الشجر الساقط

وكل تلك الأشياء الصغيرة.

فقط حين تشتد البرودة كثيرًا

لا أتمكن من النهوض من السرير.

غير أنها منعتني من تذكر أشياء أخرى 

قد تكون أكثر أهمية من هذه؛

صوت والدي وهو يفتح باب المنزل

ونهرع إليه لنرى ماذا أحضر لنا

لم يعد يومًا بيد خاوية.

لكن الغضب المتراكم 

شوه في رأسي صوت غنائه:

“أنا وانتي قاعدين في جنينة 

ولا حدش بيبص علينا”.

أخبرني والدي سرًا بأنني المفضلة لديه

أخبر إخوتي سرًا أيضًا

كل على حدة

بأنه الابن المفضل. 

لا أعرف ماذا يمكن أن أصنف هذا 

ماذا تهم التصنيفات على أي حال؟

إنها محاولات رجل يحاول.

أخبرت معالجتي إميلي:

“لسنوات كثيرة لم أتمكن من تذكر الخير الذي صنعه لي أهلي”

“لم؟”، تسألني

“لقد رددت إليهم الشعور بالرفض الذي غمرني”.

منعني جرحي النازف

من أن أنتبه لليد التي تحاول كنس الزجاج

اليد التي لربما بغير قصد

سببت هذا النزيف.

الآن 

وأنا أشعر بجراحي تلتئم

وأنا أرى غيوم الكآبة

تنحسر شيئًا فشيئًا.

أتمكن من الشعور بالضوء 

من ضحكاتنا ونحن نلتف صغارًا حول أبي

وهو يحكي لنا كيف أُسر الجد في الحرب 

كيف عادت الجدة ثكلى إلى القاهرة 

ثم عاد جدي ليلًا وحيًا بعد سنوات.

أتذكره وهو يدللني باسم لا أذكره الآن

وهو يحتضنني كلما حفظت سورة أخرى من القرآن.

ولم أفكر وأنا أسلك طريقًا مختلفًا

أن أبي كان يخسر الطفلة التي أحبها

الابنة المفضلة التي كبرت بين يديه.

غضبت من الرب أعوامًا

وجّهت غضبي نحو أبي

لقد كان الرب الذي أستطيع أن أكلمّه

“لقد كذبت عليّ

لا يوجد إله هناك في السماء”.

بكيت بمرارة 

وأردت أن أتوه بعيدًا

عن كل ما يتمثل فيه الله. 

الدوائر التي ترعرت فيها

صوت والدي وهو يصلي

وأسمعه يدعو لي

لكن زادني ذلك غضبًا.

“الجميع يكذبون عليّ”

قلت بصوت طفل مجروح

“الدين دمر حياتي”

قلت بصوت مراهقة تحجبت باكرًا.

ولم أغفر لأحد قط 

أردت أن ألهو 

وأعزف

وأرقص. 

أردت طفولة لا تنقضي بين كتب الدين 

وحفظ الأحاديث والسيرة

ووالدي أراد ابنة يورثها نفسه وطريقة حياته.

لكنني شعرت بأن الدين سرق طفولتي

و كل مرة رأيت طفلًا يعزف ويسبح

قلت: “ماذا لو كنت مكانه؟” 

قلت لإميلي:

“لم أتقبلهما أيضًا

كان الرفض متبادلًا

وغضبت لوقت طويل”.

لكن الآن أقبل نفسي

أقبل هذا الجزء من حياتي

أقبل صوت القرآن

ولم أعد أرتعش خوفًا

حين أسمعه مصادفة.

 أطبطب على طفلتي

وأطبطب على والديّ أيضًا

لقد فعلا ما ظناه صحيحًا

وحاولا باستماتةٍ حمايتنا من العالم.

لكن في المقابل

وأنا أكبر 

وأنا أخرج لا محالة إلى العالم 

لم أجد أدوات أتعامل بها معه.

عشنا في كنف الوالدين 

حياة ناعمة

حياة رغيدة. 

والعالم الذي صوراه لنا وحشًا

يبتلع الأطفال

هرعت في النهاية إليه.

بعد سنوات 

مع جراح كثيرة

علمت أن العالم فعلًا

وحش يبتلع الأطفال.

لكنني لم أعد طفلة

أنا امرأة في السابعة والعشرين 

خائفة من العالم

بعيدة عن كل ما أعرف. 

رميت بنفسي

ربما لأثبت لي

لوالديّ

للعالم

أنني أستطيع أن أصير

أكثر وحشية.

لكنني مجرد بنت ناعمة 

أتأذى ولا أعتاد

أتأذى وأحاول أن أعتاد.

أحاول أن أطلب من نفسي مستحيلًا

باعتباري بنتًا خارقة 

ألا أحتاج إلى والديّ بعد الآن

أن أنفصل بضراوة 

أن أكبر حتى أصبح عملاقة جدًا. 

لكن في النهاية

لا أستطيع أن أنام

حتى وأنا في أبعد جزء من العالم

إلا حين أتذكر والدي يقول لي: 

“لن أتخلى عنكِ”.

أتذكر أمي وهي تقول: “ما حدش بيرمي لحمه”

 تعلمنا أنه مهما حدث بين هذه الجدران 

فإن شيئًا واحدًا لن تفعله الأسرة التي صنعاها 

أنهم لا يتخلون عن أبنائهم.

أتذكر هذا

أتصل بوالديّ لأشكرهما 

أبكي بانهمار

وأغفر لله كثيرًا.

ما يعنيه سن الرشد، أنجيه، 2 أبريل 2024 

تضاءل اكتئابي كثيرًا 

الظل الذي تمدد على حياتي منذ طفولتي

ولم أخبر أحدًا بذلك

فقط استمررت بتمرير الأيام 

يوم مشمس 

يوم ماطر 

وما يزال مزاجي حسنًا كما هو

لم أصدق ما يجري 

أردت أن أركض في اتجاه أحد ما 

لأقول: “انظر، أستطيع الشعور بالشمس” 

أردت كمن استعاد بصره للتو 

أن أوقف جميع العابرين 

وأقول لهم: “أنا أراكم”

لكني لم أخبر أحدًا بذلك 

فقط استلقيت على السرير 

وتنفست بعمق 

لم أخبر أمي حتى 

ولا أبي 

على الرغم من أني قبل أسابيع فقط 

كنت أحسد جميع من انتحروا 

لكني الآن أتمتع بالحياة 

أعرف ما يعنيه سن الرشد 

أن تقوم بواجباتك دون أن تنتظر الشكر 

دون أن تخبر أحدًا عن تعاملك مع موظفي السنتر جوب 

عن تجديدك لكرت المواصلات 

وشرائك لحوائج المنزل 

والانتقال إلى بيت جديد

ما الذي يعنيه البيت؟ 

اليوم انتقلت إلى منزل جديد 

أسمي كل بيت أسكن  فيه منزلًا

شاركت الشقة مع إيڤا وإم إي 

في يومي الأول جلسنا معًا كعائلة 

شاهدنا الكثير من حلقات فريندز وضحكنا عليها 

تبادلنا السجائر والشوكولاه 

وتذكرت ما قالته أمي عن تجنب الوحدة

وما قاله أبي عن الونس

نظرت إلى إيڤا وضحكت 

لقد خمشتني وحدتي كثيرًا

لكن الاكتئاب يبهت شيئًا فشيئًا

حتى يصبح ذات يوم مجرد بقعة جلد ذات لون مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *